سيد محمد طنطاوي

38

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - : * ( وإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وما خَلْفَكُمْ . . ) * حكاية لموقف المشركين من الناصحين لهم ، وكيف أنهم صموا آذانهم عن سماع الآيات التنزيلية ، بعد صممهم عن التفكر في الآيات التكوينية . أي : وإذا قال قائل لهؤلاء المشركين على سبيل النصح والإرشاد : * ( اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وما خَلْفَكُمْ ) * أي : احذروا ما تقدم من ذنوبكم وما تأخر ، وصونوا أنفسكم عن ارتكاب المعاصي التي ارتكبها الظالمون من قبلكم ، فأهلكوا بسببها وأبيدوا ، وآمنوا باللَّه ورسوله واعملوا العمل الصالح ، لعلكم بسبب ذلك تنالون الرحمة من اللَّه - تعالى - . وجواب « إذا » محذوف دل عليه ما بعده ، والتقدير : إذا قيل لهم ذلك أعرضوا عن الناصح ، واستخفوا به ، وتطاولوا عليه . ويشهد لهذا الجواب المحذوف قوله - تعالى - بعد ذلك : * ( وما تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آياتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كانُوا عَنْها مُعْرِضِينَ ) * . و « من » الأولى مزيدة لتأكيد إعراضهم وصممهم عن سماع الحق ، والثانية للتبعيض . أي : ولقد بلغ الجحود والجهل والعناد عند هؤلاء المشركين ، أنهم ما تأتيهم آية من الآيات التي تدل على وحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، وعلى أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم صادق في دعوته ، إلا كانوا عن كل ذلك معرضين إعراضا تاما ، شأنهم في ذلك شأن الجاحدين من قبلهم . وأضاف - سبحانه - إليه الآيات التي أتتهم ، لتفخيم شأنها ، وبيان أنها آيات عظيمة ، كان من شأنهم - لو كانوا يعقلون - أن يتدبروها ، ويتبعوا من جاء بها . ثم حكى - سبحانه - موقفا آخر ، من مواقفهم القبيحة ممن نصحهم وأرشدهم إلى الصواب ، فقال - تعالى - : * ( وإِذا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّه ، قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّه أَطْعَمَه . . . ) * . وقد ذكروا في سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن أبا بكر الصديق - رضى اللَّه عنه - كان يطعم مساكين المسلمين ، فلقيه أبو جهل فقال له : يا أبا بكر : أتزعم أن اللَّه قادر على إطعام هؤلاء ؟ .