سيد محمد طنطاوي

365

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم يضيف إلى ذلك قوله : * ( وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ) * أي : وما أعتقد أن هناك بعثا أو حسابا أو جزاء . * ( ولَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي ) * على سبيل الفرض والتقدير * ( إِنَّ لِي عِنْدَه لَلْحُسْنى ) * أي : إن لي عنده ما هو أحسن وأفضل مما أنا فيه من نعم في الدنيا . وقوله - تعالى - * ( فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِما عَمِلُوا ولَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذابٍ غَلِيظٍ ) * بيان للعاقبة السيئة التي يكون عليها هذا الإنسان الجاحد . أي : فلنعلمن هؤلاء الكافرين بأعمالهم السيئة ، ولنرينهم عكس ما اعتقدوه بأن ننزل بهم الذل والهوان بدل الكرامة والحسنى التي أيقنوا أنهم سيحصلون عليها ، ولنذيقنهم عذابا غليظا ، لا يمكنهم الفكاك منه أو التفصي عنه لشدته وإحاطته بهم من كل جانب ، فهو كالوثاق الغليظ الذي لا يمكن للإنسان أن يخرج منه . ثم أكد - سبحانه - ما ذكره من حالات الإنسان فقال : * ( وإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الإِنْسانِ ) * بنعمة من نعمنا التي توجب عليه شكرنا وطاعتنا . * ( أَعْرَضَ ونَأى بِجانِبِه ) * أي : أعرض عن شكرنا وطاعتنا ، وتكبر وتفاخر على غيره وادعى أن هذه النعمة من كسبه واجتهاده . وقوله * ( ونَأى بِجانِبِه ) * كناية عن الانحراف والتكبر والصلف والبطر . والنأى البعد . يقال : نأى فلان عن مكان كذا ، إذا تباعد عنه . وقوله - تعالى - : * ( وإِذا مَسَّه الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ ) * بيان لحالة هذا الإنسان في حالة الشدة والضر . أي : هكذا حالة هذا الإنسان الجاحد ، في حالة إعطائنا النعمة له يتكبر ويغتر ويجحد . وفي حالة إنزال الشدائد به يتضرع ويتذلل إلينا بالدعاء الكثير الواسع . وفي معنى هذه الآيات الكريمة ، جاءت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى - : كَلَّا إِنَّ الإِنْسانَ لَيَطْغى . أَنْ رَآه اسْتَغْنى . وقوله - تعالى - : إِنَّ الإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً ، إِذا مَسَّه الشَّرُّ جَزُوعاً ، وإِذا مَسَّه الْخَيْرُ مَنُوعاً . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يوبخ هؤلاء الكافرين على جحودهم وجهالاتهم فقال : * ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كانَ مِنْ عِنْدِ اللَّه ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِه . . . ) * .