سيد محمد طنطاوي

355

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالعندية في قوله - تعالى - * ( عِنْدَ رَبِّكَ ) * عندية المكانة والتشريف لا عندية المكان . وقوله * ( فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ ) * تعليل لجواب الشرط المقدر ، أي : فإن استكبروا فدعهم وشأنهم فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ولَه مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ ، ومَنْ عِنْدَه لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِه ولا يَسْتَحْسِرُونَ . يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ « 1 » . ثم بين - سبحانه - آية أخرى من آياته الدالة على وجوب إخلاص العبادة له فقال : * ( ومِنْ آياتِه أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خاشِعَةً ، فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ . . ) * . و * ( خاشِعَةً ) * أي ، يابسة جدبة ، خشعت الأرض ، إذا أجدبت لعدم نزول المطر عليها وقوله : * ( اهْتَزَّتْ ) * أي : تحركت بالنبات قبل بروزه منها وبعد ظهوره على سطحها و * ( رَبَتْ ) * أي : انتفخت وعلت ، لأن النبات إذا قارب الظهور ترى الأرض ، ارتفعت له ، ثم تشققت عنه . يقال : ربا الشيء إذا زاد وعلا وارتفع ، ومنه الربوة للمكان المرتفع من الأرض . أي : ومن آياته - تعالى - الدالة على وجوب العبادة له وحده ، أنك - أيها العاقل - ترى الأرض يابسة جامدة ، فإذا أنزلنا عليها بقدرتنا المطر ، تحركت بالنبات ، وارتفعت بسببه ، ثم تصدعت عنه . وعنى - سبحانه - هنا بقوله * ( خاشِعَةً ) * لأن الحديث عن وجوب السجود للَّه - تعالى - وحده ، والحديث عن السجود والطاعة يناسبه الخشوع . وفي سورة الحج قال - سبحانه - : وتَرَى الأَرْضَ هامِدَةً . . لأن الحديث هناك كان عن البعث ، وعن إمكانيته ، فناسب أن يعبر بالهمود الذي يدل على فقدان الحياة . قال - تعالى - يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ . . « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى ، إِنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * بيان لمظاهر قدرته - عز وجل - .

--> ( 1 ) سورة الأنبياء الآيتان 19 ، 20 . ( 2 ) سورة الحج الآية 5 .