سيد محمد طنطاوي
338
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : أتوهم من كل جانب ، واجتهدوا بهم ، واعملوا فيهم كل حيلة ، فلم يروا منهم إلا العتو والإعراض ، كما حكى اللَّه - تعالى - عن الشيطان أنه قال : ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ ومِنْ خَلْفِهِمْ . . . يعنى لآتينهم من كل جهة ، ولأعملن فيهم كل حيلة . وعن الحسن : أنذروهم بعذاب اللَّه الدنيوي والأخروى . وقيل معناه : إذ جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم ، بمعنى أن هودا وصالحا قد أمروهم بالإيمان بهما وبجميع الرسل الذين من قبلهم والذين من بعدهم ، فكأن الرسل جميعا قد جاؤهم « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( قالُوا لَوْ شاءَ رَبُّنا لأَنْزَلَ مَلائِكَةً فَإِنَّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِه كافِرُونَ ) * حكاية للرد السيئ الذي رد به قوم عاد وثمود على رسلهم . ومفعول المشيئة محذوف أي : قال هؤلاء الكافرون لرسلهم على سبيل التكذيب لهم ، والتهكم بهم . أنتم لستم رسلا ، ولو شاء اللَّه - تعالى - أن يرسل إلينا رسلا لأرسل ملائكة ، وما دام الأمر كذلك فإنا بما أرسلتم به - أيها الرسل - كافرون ، وإلى ما تدعونا إليه مكذبون . والسبب الذي حمل هؤلاء الجاهلين على هذا القول : زعمهم أن الرسل لا يكونون من البشر ، مع أن كل عقل سليم يؤيد أن الرسول لا يكون إلا من البشر كما قال - تعالى - : وما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِه لِيُبَيِّنَ لَهُمْ . . . ثم فصل - سبحانه - بعد ذلك حال كل فريق منهم ، وبين ما نزل به من عذاب مهين فقال : * ( فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً . . . ) * أي . هذا هو قولهم على سبيل الإجمال لرسلهم ، وإليك جانبا من حال قوم عاد ، ومن أقوالهم الباطلة . إنهم قد استكبروا في الأرض بغير الحق . واغتروا بما بين أيديهم من نعم ، وقالوا على سبيل التباهي والتفاخر والتكبر : من أشد منا قوة . وقيد استكبارهم في الأرض بأنه بغير الحق . لبيان واقعهم ، حيث كانوا كما وصفهم اللَّه - تعالى - في آيات أخرى متجبرين متعالين على غيرهم ، ومن ذلك قوله - تعالى :
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 191 .