سيد محمد طنطاوي

336

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فقالوا : بلى يا أبا الوليد ، فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة فقال : « يا محمد ، يا بن أخي ، إنك منا حيث قد علمت من السلطة - أي من الشرف - في العشيرة وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع منى أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها . ثم قال : إن كنت - يا بن أخي - تريد ما لا أعطيناك من المال حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت تريد ملكا جعلناك ملكا علينا . . وإن كان الذي يأتيك رئيا تراه - أي ترى بعض الجن - طلبنا لك الطب حتى تبرأ . فلما فرغ عتبة قال صلَّى اللَّه عليه وسلم : « أفرغت يا أبا الوليد ؟ » قال : نعم . قال : « فاسمع منى » قال : افعل . فتلا عليه النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم من أول سورة « فصلت » . - وفي رواية أنه لما بلغ قوله - تعالى - : * ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ . . . ) * قال له عتبة : حسبك ما عندك غير هذا . ثم عاد عتبة إلى أصحابه ، فقال بعضهم لبعض : لقد جاءكم عتبة بوجه غير الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا له : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ فقال : لقد سمعت من محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم قولا ما سمعت مثله قط ، واللَّه ما هو بالسحر ، ولا بالشعر ، ولا بالكهانة . يا معشر قريش ، أطيعونى واجعلوها لي ، خلَّوا بين الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فو اللَّه ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ . فقالوا : لقد سحرك محمد صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : « هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بدا لكم » « 1 » . فقوله - تعالى - : * ( فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وثَمُودَ ) * تهديد لهؤلاء المشركين ، بعد أن وضح الحق لهم في أكمل صورة . . والصاعقة - كما يقول ابن جرير - : كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه . حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل ، يكون مصعوقا . . « 2 » . والمراد بها هنا : العذاب الشديد الذي أنزله اللَّه - تعالى - على قوم عاد ثمود فصعقهم وأهلكهم .

--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 152 . ( 2 ) تفسير ابن جرير ج 1 ص 290 .