سيد محمد طنطاوي

334

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - ولَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ والأَرْضَ وما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ . . « 1 » . كما أخذ العلماء منها - أيضا - : أن خلق الأرض متقدم على خلق السماوات بدليل قوله - تعالى - بعد حديثه عن خلق الأرض ، ثم استوى إلى السماء وهي دخان . وبدليل قوله - تعالى - في آية أخرى : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الأَرْضِ جَمِيعاً ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ « 2 » . وعلى هذا الرأي سار جمهور العلماء ، وردوا على من قال بأن خلق السماوات متقدم على خلق الأرض ، لأن اللَّه - تعالى - يقول في سورة النازعات : أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّماءُ بَناها . رَفَعَ سَمْكَها فَسَوَّاها ، وأَغْطَشَ لَيْلَها وأَخْرَجَ ضُحاها . والأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها أي : بسطها . ردوا عليهم بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين الآيات التي معنا ، وبين آيات سورة النازعات فقال : إنه - تعالى - خلق الأرض أولا غير مدحوة ثم خلق السماء ، ثم دحا الأرض بعد ذلك ، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغيرهما . أي : أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء ، ودحوها بجبالها وأشجارها كان بعد خلق السماء ، وردوا عليهم - أيضا - بأن لفظ « بعد » في قوله - تعالى - والأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها بمعنى مع أي : والأرض مع ذلك بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها . وردوا عليهم - أيضا - بأنه - تعالى - لما خلق الأرض غير مدحوة ، وهي أهل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه قد خلق بالفعل لوجود أصله فيها . قال بعض العلماء : والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع ، - وإن لم يكن موجودا بالفعل - قوله - تعالى - : ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ . . . فقوله : خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ أي : بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم « 3 » . كما أخذ منها العلماء أن وجود هذا الكون ، بتلك الصورة البديعة ، المتمثلة في هذه الأرض

--> ( 1 ) سورة ق الآية 38 . ( 2 ) سورة البقرة الآية 29 . ( 3 ) أضواء البيان ج 7 ص 102 للشيخ الشنقيطي .