سيد محمد طنطاوي

330

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

واليوم في المشهور عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق ، وأريد منه ها هنا الوقت مطلقا ، لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق السماء والكواكب والأرض نفسها ، ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار اليوم المعروف ، ويحتمل أن يكون أقل منه أو أكثر ، والأقل أنسب بالمقام . . « 1 » . قال سعيد بن جبير - رضى اللَّه عنه - إن اللَّه - تعالى - قادر على أن يخلق هذا الكون كله في لحظة ، ولكنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ليعلم خلقه التثبت والتأنى في الأمور . وقوله : * ( وتَجْعَلُونَ لَه أَنْداداً ) * معطوف على قوله * ( لَتَكْفُرُونَ ) * وداخل معه في حكم الإنكار . والأنداد : جمع ند وهو مثل الشيء يضاده وينافره ويتباعد عنه . وأصله من ند البعير إذا نفر وذهب على وجهه شاردا . أي : وتجعلون له أمثالا ونظراء تعبدونها من دونه ، وتسمونها - زورا وكذبا - آلهة ، وجمع - سبحانه - الأنداد باعتبار واقعهم ، لأنهم كانوا يعبدون آلهة شتى ، فمنهم من عبد الأصنام ، ومنهم من عبد الملائكة ، ومنهم من عبد الكواكب . واسم الإشارة في قوله * ( ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ) * يعود إلى الموصول باعتبار اتصافه بما في حيز الصلة . أي : ذلك الموصوف بتلك القدرة الباهرة ، رب العالمين جميعا ، وخالق جميع المخلوقات ، والمتولى لتربيتها دون سواه . وقوله : * ( وجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها . . ) * معطوف على * ( خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ ) * . والرواسي : جمع راس من الرسو - بفتح الراء وسكون السين - بمعنى الثبات والاستقرار في المكان ، يقال : رسا الشيء إذا ثبت واستقر . وهو صفة لموصوف محذوف . أي : وجعل فيها جبالا رواسي من فوقها ، لكي تستقر وتثبت ، ولا تميد أو تضطرب بكم . وقال - تعالى - : * ( مِنْ فَوْقِها ) * لبيان الواقع ، إذ وجود الجبال من فوق الأرض ، ومشاهدة الإنسان لذلك بعينيه ، يزيده اقتناعا بقدرة اللَّه - تعالى - الباهرة وحكمته البليغة .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 24 ص 99 .