سيد محمد طنطاوي

322

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وثمود ، وفصل لهم موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم وكيف أنهم عندما كذبوا رسلهم واستحبوا العمى على الهدى ، أخذتهم صاعقة العذاب الهون . . بعد كل ذلك تحدثت عن أحوالهم السيئة يوم يحشرون للحساب يوم القيامة ، وكيف أن حواسهم تشهد عليهم في هذا اليوم العصيب . ولنتدبر قوله - تعالى - : ويَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّه إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ . حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وأَبْصارُهُمْ وجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ . وقالُوا لِجُلُودِهِمْ : لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا ، قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّه الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وإِلَيْه تُرْجَعُونَ . 5 - وكعادة القرآن الكريم في قرنه الترغيب بالترهيب أو العكس ، وفي بيان عاقبة الأخيار والأشرار ، أتبعت السورة الحديث عن المشركين وسوء عاقبتهم ، بالحديث عن المؤمنين وحسن مصيرهم ، فقال - تعالى - : إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّه ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا ولا تَحْزَنُوا وأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ . نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وفِي الآخِرَةِ ، ولَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ، ولَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ . نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ . 6 - ثم ساقت سورة « فصلت » أنواعا من الآيات الدالة على وحدانيته وقدرته ، قال - تعالى - : ومِنْ آياتِه اللَّيْلُ والنَّهارُ والشَّمْسُ والْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ ولا لِلْقَمَرِ واسْجُدُوا لِلَّه الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاه تَعْبُدُونَ . ومِنْ آياتِه أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ ورَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى ، إِنَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . 7 - ثم أخذت السورة في تسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم وفي إقامة الأدلة الساطعة على أن هذا القرآن من عند اللَّه . قال - تعالى - : ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ ، إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ وذُو عِقابٍ أَلِيمٍ . ولَوْ جَعَلْناه قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا : لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُه ، ءَ أَعْجَمِيٌّ وعَرَبِيٌّ ، قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وشِفاءٌ ، والَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ ، وهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى ، أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ . 8 - ثم ختم - سبحانه السورة الكريمة ، ببيان أن مرد علم قيام الساعة إليه - تعالى - وحده ، وببيان طبيعة الإنسان في حالتي اليسر والعسر ، وببيان أن حكمته - سبحانه - اقتضت أن يطلع الناس في كل وقت على بعض من آياته الدالة على وحدانيته وقدرته . قال