سيد محمد طنطاوي

309

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بها هنا : المنى الذي يخرج من الرجل ، ويصب في رحم المرأة ، * ( ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ) * والعلقة قطعة من الدم المتجمد . * ( ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ) * أي : ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالا صغارا ، بعد أن تكامل خلقكم فيها . فقوله : * ( طِفْلًا ) * اسم جنس يصدق على القليل والكثير . ثم * ( لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ) * بعد ذلك ، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة إلى المرحلة التي تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم . * ( ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخاً ) * بعد ذلك ، بأن تصلوا إلى السن التي تتناقص فيها قوتكم والجملة الكريمة معطوفة على قوله * ( لِتَبْلُغُوا ) * ، أو معمولة لمحذوف كالجمل التي تقدمتها ، أي : ثم يبقيكم لتكونوا شيوخا . * ( ومِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ ) * أي : ومنكم من يدركه الموت من قبل أن يدرك سن الشيخوخة ، أو سن الشباب ، أو سن الطفولة . وقوله - تعالى - : * ( ولِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى ) * معطوف على مقدر . أي : فعل ذلك بكم لكي تعيشوا ، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهي عنده حياتكم ، ثم تبعثون يوم القيامة للحساب . والجزاء . وقوله : * ( ولَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ) * أي : ولعلكم تعقلون عن ربكم أنه هو الذي يحييكم يوم القيامة كما أماتكم ، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكورا . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى - * ( هُوَ الَّذِي يُحْيِي ) * من يريد إحياءه * ( ويُمِيتُ ) * من يشاء إماتته . * ( فَإِذا قَضى أَمْراً ) * أي : فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود * ( فَإِنَّما يَقُولُ لَه ) * أي لهذا الأمر * ( كُنْ فَيَكُونُ ) * في الحال بدون توقف على سبب من الأسباب ، أو علة من العلل . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يسلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم عما أصابه من المشركين ، بأن بين له سوء عاقبتهم يوم القيامة ، وبأن أمره بالصبر على كيدهم ، وبشره بأن العاقبة ستكون له ولأتباعه . . فقال - تعالى - :