سيد محمد طنطاوي
304
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ثم أكد - سبحانه - مجيء الساعة في الوقت الذي يختاره - تعالى - فقال : * ( إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها ) * أي : لا ريب ولا شك في مجيئها في الوقت الذي يشاؤه - عز وجل - * ( ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ ) * بذلك لغفلتهم وقصور نظرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم . . ثم أمر - سبحانه - عباده المؤمنين أن يكثروا من التضرع اليه بالدعاء فقال : * ( وقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ . . . ) * . أي : وقال ربكم - أيها المؤمنون - تضرعوا إلى بالدعاء ، وتقربوا إلى بالطاعات ، أستجب لكم ، ولا أخيب لكم رجاء . ولا تنافى بين تفسير الدعاء هنا بالسؤال والتضرع إلى اللَّه - تعالى - ، وبين تفسيره بالعبادة ، لأن الدعاء هو لون من العبادة ، بل هو مخها كما جاء في الحديث الشريف . والإنسان الذي التزم في دعائه الآداب والشروط المطلوبة ، كان دعاؤه جديرا بالإجابة ، فقد حكى لنا القرآن الكريم في آيات كثيرة ، أن الأنبياء والصالحين ، عندما دعوا اللَّه - تعالى - أجاب لهم دعاءهم ، ومن ذلك قوله - تعالى - ونُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَه ، فَنَجَّيْناه وأَهْلَه مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ « 1 » . ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الذين يتكبرون عن طاعة اللَّه وعن دعائه فقال : * ( إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ داخِرِينَ ) * أي : إن الذين يستكبرون عن طاعتي ، وعن التقرب إلى بما يرضيني ، سيدخلون يوم القيامة نار جهنم حالة كونهم أذلاء صاغرين . فقوله : * ( داخِرِينَ ) * من الدخور بمعنى الانقياد والخضوع يقال : دخر فلان يدخر دخورا إذا ذل وهان . هذا ، وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث التي تتصل بموضوع الدعاء فارجع إليه إن شئت « 2 » . وبعد أن بين - سبحانه - مصير الذين يستكبرون عن عبادته ، أتبع ذلك ببيان ألوان من النعم التي أنعم بها على عباده ، كنعمة السماء والأرض ، ونعمة خلق الإنسان ورزقه من
--> ( 1 ) لمعرفة آداب الدعاء وشروطه وفضله . . راجع كتابنا « الدعاء » طبع مجمع البحوث الإسلامية . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 142 .