سيد محمد طنطاوي
300
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وفي هاتين الآيتين ما فيهما من البشارة السارة العظيمة للمؤمنين ومن الإهانة التي ليس بعدها إهانة للكافرين . ثم ساق - سبحانه - مثالا من نصره لرسله ولعباده المؤمنين . فقال - تعالى - : * ( ولَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ، هُدىً وذِكْرى لأُولِي الأَلْبابِ ) * . أي : واللَّه لقد آتينا عبدنا ونبينا موسى ما يهتدى به من المعجزات والصحف والشرائع . وأورثنا من بعده قومه بني إسرائيل الكتاب وهو التوراة . لكي ينتفعوا بإرشاداته وأحكامه وتوجيهاته . وفعلنا ما فعلنا من أجل أن يكون ذلك الكتاب هداية وذكرى لأصحاب العقول السليمة فقوله - تعالى - * ( هُدىً وذِكْرى ) * مفعول لأجله . أو هما مصدران في موضع الحال . أي : وأورثنا بني إسرائيل الكتاب ، حالة كونه هاديا ومذكرا لأولى الألباب . لأنهم هم الذين ينتفعون بالهدايات . وهم الذين يتذكرون ويعتبرون دون غيرهم . ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بأمر النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم بالصبر على أذى أعدائه . فقال : * ( فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ . . ) * . أي : إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أننا سننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا * ( ويَوْمَ يَقُومُ الأَشْهادُ . . ) * فاصبر على ما أصابك من أعدائك ، فإن ما وعدك اللَّه - تعالى - به من النصر ثابت لا شك فيه ، وحق لا باطل معه . * ( واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) * فإن استغفارك هذا وأنت المعصوم من كل ما يغضبنا - يجعل أمتك تقتدى بك في ذلك ، وتسير على نهجك في الإكثار من فعل الطاعات . * ( وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ والإِبْكارِ ) * أي : وبجانب استغفارك من الذنوب ، أكثر من تسبيح ربك ومن تنزيهه عن كل ما لا يليق به عند حلول الليل ، وعند تباكير الصباح ، فإن هذا الاستغفار ، وذلك التسبيح ، خير زاد للوصول إلى السعادة والفوز في الدنيا والآخرة . قال الإمام الرازي ما ملخصه : واعلم أن مجامع الطاعات محصورة في قسمين : التوبة عما لا ينبغي ، والاشتغال بما ينبغي ، والأول مقدم على الثاني بحسب الرتبة الذاتية . فوجب أن يكون مقدما عليه في الذكر . . أما التوبة عما لا ينبغي ، فنراها في قوله - تعالى - : * ( واسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ) * . وأما الاشتغال بما ينبغي ، فنراه في قوله - تعالى - * ( وسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ والإِبْكارِ ) * .