سيد محمد طنطاوي
271
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومن الأحاديث التي أوردها الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ، ما رواه الإمام مسلم وأبو داود ، والنسائي ، وأحمد ، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي قال : كان عبد اللَّه بن الزبير يقول في دبر كل صلاة حين يسلم : لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، لا حول ولا قوة إلا باللَّه ، لا إله إلا اللَّه ، ولا نعبد إلا إياه ، له النعمة وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا اللَّه ، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون قال : وكان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم يهلل بهن دبر كل صلاة « 1 » . ثم يذكر - سبحانه - بعد ذلك من صفاته العظمى ، ما يزيد المؤمنين في إخلاص العبادة له ، فيقول : * ( رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ . . ) * أي : هو - تعالى - وحده صاحب الرفعة والمقام العالي ، وهو وحده صاحب العرش العظيم ، الذي لا يعلم مقدار عظمته إلا هو . . قال الآلوسي قوله : * ( رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ) * رفيع صفة مشبهة أضيفت إلى فاعلها من رفع الشيء إذا علا . . والدرجات : مصاعد الملائكة إلى أن يبلغوا العرش ، أي : رفيع درجات ملائكته ومعارجهم إلى عرشه . . ويجوز أن يكون كناية عن رفعة شأنه وسلطانه - عز شأنه - كما أن قوله - تعالى - : * ( ذُو الْعَرْشِ ) * كناية عن ملكه - جل جلاله - . . « 2 » . والمراد بالروح في قوله - تعالى - : * ( يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه ) * : الوحي الذي يوحى به على أنبيائه ، وأمين هذا الوحي جبريل - عليه السلام - . أي : هو وحده - سبحانه - الذي يلقى الوحي . حالة كون هذا الوحي ناشئا من أمره وقضائه على من يختاره لهذا الإلقاء من عباده الصالحين . فقوله * ( مِنْ أَمْرِه ) * متعلق بمحذوف حال من الروح . وسمى الوحي روحا ، لأن الأرواح تحيا به ، كما أن الأجساد تحيا بالغذاء . وقوله - تعالى - : * ( لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ ) * بيان للوظيفة الخاصة بمن يختاره - سبحانه - من عباده لإلقاء الوحي عليه . والإنذار : الإعلام المقترن بالتخويف والتحذير ، فكل إنذار إعلام ، وليس كل إعلام إنذارا . والمراد بيوم التلاق : يوم القيامة ، وسمى بيوم التلاق لأنه يتلاقى فيه الأولون والآخرون والمؤمنون والكافرون ، والظالمون والمظلومون . . الكل يتلاقى في ساحة المحشر ليقضى اللَّه
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 124 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 24 ص 55 .