سيد محمد طنطاوي
260
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
من جنس الحروف الهجائية التي تنظمون منها حروفكم ، فإن كنتم في شك في أنه من عند اللَّه - تعالى - فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله ، فعجزوا وانقلبوا خاسرين ، وثبت أن هذا القرآن من عند اللَّه ، ولو كان من عند غير اللَّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وقوله - تعالى - : * ( تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّه ) * جملة من مبتدأ وخبر ، أي : هذا الكتاب منزل عليك - أيها الرسول الكريم - من اللَّه - تعالى - وحده ، وليس من عند أحد غيره . ثم وصف - سبحانه - ذاته بثماني صفات تليق بذاته فقال : * ( الْعَزِيزِ ) * أي : الغالب لكل من سواه ، من العز بمعنى القوة والغلبة . يقال : عزّ فلان يعز - من باب تعب - فهو عزيز ، إذا كان معروفا بالقوة والمنعة ، ومنه قولهم : أرض عزاز إذا كانت صلبة قوية . * ( الْعَلِيمِ ) * أي : المطلع على أحوال خلقه دون أن يخفى عليه شيء منها . * ( غافِرِ الذَّنْبِ ) * أي : ساتر لذنوب عباده ، ومزيل لأثرها عنهم بفضله ورحمته . فلفظ * ( غافِرِ ) * من الغفر بمعنى الستر والتغطية ، يقال : غفر اللَّه - تعالى - ذنب فلان غفرا ومغفرة وغفرانا ، إذا غطاه وستره وعفا عنه . ولفظ الذنب : يطلق على كل قول أو فعل تسوء عاقبته ، مأخوذ من ذنب الشيء ، أي : نهايته * ( وقابِلِ التَّوْبِ ) * والتوب مصدر بمعنى الرجوع عن الذنب والتوبة منه . يقال : تاب فلان عن الذنب توبة وتوبا إذا رجع عنه . أي : أنه - سبحانه - يغفر ذنوب عباده ، ويقبل توبتهم فضلا منه وكرما . قال صاحب الكشاف : ما بال الواو في قوله * ( وقابِلِ التَّوْبِ ) * ؟ قلت : فيها نكتة جليلة ، وهي إفادة الجمع للمذنب التائب بين رحمتين : بين أن يقبل توبته فيكتبها له طاعة من الطاعات ، وأن يجعلها محاءة للذنوب ، كأنه لم يذنب . كأنه قال : جامع المغفرة والقبول . . « 1 » . * ( شَدِيدِ الْعِقابِ ) * أي : لمن أشرك به ، وأعرض عن الحق الذي جاء به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم * ( ذِي الطَّوْلِ ) * أي : ذي الفضل والثواب والإنعام على من يشاء من عباده . والطَّول : السعة والغنى والزيادة ، يقال : لفلان على فلان طول ، أي زيادة وفضل ، ومنه الطَّول في الجسم لأنه زيادة فيه . قال - تعالى - : ومَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا . . أي : غنى وسعة .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 149 .