سيد محمد طنطاوي

25

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ولكن هذه النصائح الغالية الحكيمة من الرجل الصالح لقومه ، لم تصادف أذنا واعية بل إن سياق القصة بعد ذلك ليوحى بأن قومه قتلوه ، فقد قال - تعالى - بعد أن حكى نصائح هذا الرجل لقومه ، * ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ . . . ) * . أي : قالت الملائكة لهذا الرجل الصالح عند موته على سبيل البشارة : ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الطيب . قال الآلوسي : قوله : * ( قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ . . ) * استئناف لبيان ما وقع له بعد قوله ذلك . والظاهر أن الأمر المقصود به الإذن له بدخول الجنة حقيقة ، وفي ذلك إشارة إلى أن الرجل قد فارق الحياة ، فعن ابن مسعود أنه بعد أن قال ما قال قتلوه . . وقيل : الأمر للتبشير لا للإذن بالدخول حقيقة ، أي : قالت ملائكة الموت وذلك على سبيل البشارة له بأنه من أهل الجنة - يدخلها إذا دخلها المؤمنون بعد البعث « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) * استئناف بيانى لبيان ما قاله عند البشارة . أي : قيل له ادخل الجنة بسبب إيمانك وعملك الصالح ، فرد وقال : يا ليت قومي الذين قتلوني ولم يسمعوا نصحى ، يعلمون بما نلته من ثواب من ربي ، فقد غفر لي - سبحانه - ، وجعلني من المكرمين عنده ، بفضله وإحسانه . . قال ابن كثير : ومقصوده - من هذا القول - أنهم لو اطلعوا على ما حصل عليه من ثواب ونعيم مقيم ، لقادهم ذلك إلى اتباع الرسل ، فرحمه اللَّه ورضى عنه ، فلقد كان حريصا على هداية قومه . روى ابن أبي حاتم أن عروة بن مسعود الثقفي ، قال للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلم : ابعثني إلى قومي أدعوهم إلى الإسلام ، فقال له صلَّى اللَّه عليه وسلم « إني أخاف أن يقتلوك » ، فقال : يا رسول اللَّه ، لو وجدوني نائما ما أيقظونى . فقال له رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم « انطلق إليهم » فانطلق إليهم ، فمر على اللات والعزى فقال : لأصبحنك غدا بما يسوؤك ، فغضبت ثقيف فقال لهم : يا معشر ثقيف : أسلموا تسلموا - ثلاث مرات - . فرماه رجل منهم فأصاب أكحله فقتله - والأكحل : عرق في وسط الذراع - فبلغ ذلك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : « هذا مثله كمثل صاحب يس * ( قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ . بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ ) * « 2 » .

--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 228 . ( 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 558 .