سيد محمد طنطاوي
256
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقد ذكر الإمام ابن كثير جملة من الآثار في فضل هذه السور ، منها : ما روى عن ابن مسعود أنه قال : « آل حم » ديباج القرآن . . ومنها ما روى عن ابن عباس أنه قال : « إن لكل شيء لبابا ، ولباب القرآن آل حم » أو قال « الحواميم » « 1 » . 5 - وقد افتتحت السورة الكريمة بالثناء على اللَّه - تعالى - ، وبتسلية الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم عما لقيه من أذى المشركين ومن جدالهم ، وببيان وظيفة الملائكة الذين يحملون عرشه - تعالى - ، وأن منها الاستغفار للمؤمنين ، والدعاء لهم بقولهم - كما حكى القرآن عنهم - : . . . رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وعِلْماً ، فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا واتَّبَعُوا سَبِيلَكَ ، وقِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ . رَبَّنا وأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ ، ومَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وأَزْواجِهِمْ وذُرِّيَّاتِهِمْ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ . وقِهِمُ السَّيِّئاتِ ، ومَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَه ، وذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ . 6 - ثم دعا - سبحانه - عباده إلى إخلاص الطاعة له ، وذكرهم بأهوال يوم القيامة ، وأن الملك في هذا اليوم إنما هو للَّه - تعالى - وحده . قال - تعالى - : فَادْعُوا اللَّه مُخْلِصِينَ لَه الدِّينَ ولَوْ كَرِه الْكافِرُونَ ، رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِه عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِه لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ . يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ لا يَخْفى عَلَى اللَّه مِنْهُمْ شَيْءٌ ، لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّه الْواحِدِ الْقَهَّارِ . 7 - وبعد أن وبخ - سبحانه - الغافلين على عدم اعتبارهم بسوء عاقبة من سبقهم من الكافرين ، أتبع ذلك بجانب من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وهامان وقارون ، وحكى ما دار بين موسى - عليه السلام - وبين هؤلاء الطغاة من محاورات . كما حكى ما وجهه الرجل المؤمن من آل فرعون إلى قومه من نصائح حكيمة ، منها قوله - كما حكى القرآن عنه - : وقالَ الَّذِي آمَنَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الأَحْزابِ . مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ والَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ ، ومَا اللَّه يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ . ويا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ . يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّه مِنْ عاصِمٍ ، ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ هادٍ . 8 - وبعد أن ساق - سبحانه - تلك التوجيهات الحكيمة التي وجهها ذلك الرجل المؤمن - الذي يكتم إيمانه - إلى قومه . . أتبع ذلك بحكاية جانب من المحاورات التي تدور بين الضعفاء والمتكبرين بعد أن ألقى بهم جميعا في النار .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 116 .