سيد محمد طنطاوي
243
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الذين كذبوا . . والاستفهام في قوله : * ( أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ ) * للتقرير . والمثوى : المكان والمقام . يقال : ثوى فلان بالمكان وأثوى فيه ، إذا أقام به ، فهو ثاو ومنه قوله - تعالى - : وما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ . أي : أليس في جهنم مكانا ومقرا لإهانة المتكبرين وإذلالهم ، بسبب تطاولهم على غيرهم ، وتكذيبهم لآيات اللَّه ؟ بلى إن بها ما يجعلهم يذوقون العذاب الأليم . ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين يوم القيامة ، بعد بيانه لحال الذين كذبوا على اللَّه ، فقال : * ( ويُنَجِّي اللَّه الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * . ومفازتهم : اسم مصدر . أو مصدر ميمى . من فاز فلان بكذا ، إذا ظفر به ، ونال مراده منه . أي : وينجى اللَّه - تعالى - بفضله ورحمته ، * ( الَّذِينَ اتَّقَوْا ) * الشرك والمعاصي من عذاب جهنم ، * ( بِمَفازَتِهِمْ ) * أي : بسبب فوزهم برضا اللَّه - تعالى - ورحمته ، جزاء إيمانهم وتقواهم ، وقرأ حمزة والكسائي بمفازاتهم بالجمع . ويصح أن تكون الباء في قوله : * ( بِمَفازَتِهِمْ ) * للملابسة ، والجار والمجرور متعلق بمحذوف هو حال من الذين اتقوا . أي ينجيهما حالة كونهم متلبسين . وقوله : * ( لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هُمْ يَحْزَنُونَ ) * يجوز أن يكون تفسيرا لذلك الفوز ، كأنه قيل : وما مظاهر فوزهم فكان الجواب : لا يمسهم السوء الذي يصيب غيرهم من الكافرين والعصاة ، ولا هم يحزنون على شيء تركوه خلفهم في الدنيا . ويجوز أن يكون حالا من الذين اتقوا . أي : ينجيهم بسبب مفازتهم ، حال كونهم لا يمسهم السوء ، أي : لا يمسهم شيء مما يكره لا في الحال ولا في الاستقبال ، ولا هم يحزنون على ما كان منهم في الماضي . فأنت ترى أن اللَّه - تعالى - قد كرم المتقين تكريما عظيما ، حيث نجاهم من عذاب جهنم ، وجعلهم آمنين من كل ما يغمهم في كل زمان أو مكان . قال الإمام الرازي ما ملخصه : هذه آية جامعة ، لأن الإنسان إذا علم أنه لا يمسه السوء ، كان فارغ البال بحسب الحال ، وإذا علم أنه لا يحزن كان هادئ النفس عما وقع في قلبه بسبب فوات الماضي ، فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الآفات .