سيد محمد طنطاوي

216

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال قتادة عند قراءته لهذه الآية : هذا نعت أولياء اللَّه ، نعتهم اللَّه بأنهم تقشعر جلودهم وتبكى أعينهم ، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر اللَّه ، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم ، والغشيان عليهم ، إنما هذا في أهل البدع . وهذا من الشيطان . . . « 1 » . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( ذلِكَ هُدَى اللَّه يَهْدِي بِه مَنْ يَشاءُ ومَنْ يُضْلِلِ اللَّه فَما لَه مِنْ هادٍ ) * يعود إلى الكتاب الذي مرت أوصافه ، وأوصاف القارئين له والمستمعين إليه . أي : ذلك الكتاب العظيم المشتمل على أحسن الإرشادات وأحكمها ، هدى اللَّه الذي يهدى بسببه من يشاء من عباده إلى الصراط المستقيم ، ومن يضلله - سبحانه - عن طريق الحق ، فما له من هاد يهديه إلى هذا الطريق القويم . ثم نفى - سبحانه - المساواة بين هؤلاء الذين يخشون ربهم ، وبين غيرهم ممن قست قلوبهم ، وانحرفت نفوسهم عن الحق ، فقال - تعالى - : * ( أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِه سُوءَ الْعَذابِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ، وقِيلَ لِلظَّالِمِينَ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ) * . والاستفهام : للنفي والإنكار ، و « من » اسم موصول مبتدأ ، والخبر محذوف أي : أفمن كان يوم القيامة مصيره إلى النار المحرقة التي يتقيها ويحاول درأها عن نفسه بوجهه الذي هو أشرف أعضائه ، كمن يأتي يوم القيامة آمنا مطمئنا بعيدا عن النار وسعيرها ؟ . وفي الآية الكريمة ما فيها من تهويل عذاب يوم القيامة ، إذ جرت عادة الإنسان أن يتقى الآلام بيديه وجوارحه ، فإذا ما اتقاها بوجهه الذي هو أشرف أعضائه ، كان ذلك دليلا على أن ما نزل به في نهاية الفظاعة والشدة . وفي قوله - تعالى - : * ( سُوءَ الْعَذابِ ) * مبالغة أخرى ، إذ نفس العذاب سوء ، فإذا ما وصف بعد ذلك بالسوء ، كان أشد في الفظاعة والإهانة والألم . وجملة : « وقيل للظالمين . . . » عطف على « يتقى . . . » أي : هذا هو مصير الظالمين ، إنهم يتقون النار بوجوههم التي هي أشرف أعضائهم ، وهذا الاتقاء لن يفيدهم شيئا ، بل ستغشاهم النار بلهبها ، ويقال لهم : ذوقوا العذاب الأليم بسبب ما كنتم تكسبون في الدنيا من أقوال باطلة ، وأفعال قبيحة . * ( كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ) * من أمم الكفر والضلال * ( فَأَتاهُمُ الْعَذابُ ) * المقدر لكل أمة من أمم الكفر .

--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 85 .