سيد محمد طنطاوي

214

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - تعالى - : « مثاني » جمع مثنى من التثنية بمعنى التكرار والإعادة ولذا سميت سورة الفاتحة بالسبع المثاني ، لأنها تكرر وتعاد مع كل صلاة . أي : اللَّه - تعالى - نزل بفضله ورحمته عليك - يا محمد - أحسن الحديث « كتابا متشابها » أي : يشبه بعضه بعضا في فصاحته وبلاغته ، وفي نظمه وإعجازه ، وفي صحة معانيه وأحكامه ، وفي صدقه وهداياته وإرشاداته إلى ما يسعد الناس في دنياهم وآخرتهم . . . « مثاني » أي : تثنى وتكرر فيه القصص والمواعظ ، والأمثال والأحكام والوعد والوعيد ، كما تثنى وتكرر قراءته فلا تمل على كثرة الترداد ، وإنما يزداد المؤمنون حبا وتعلقا بتلاوته كلما أكثروا من هذه التلاوة . وسمى - سبحانه - كتابه حديثا ، لأن النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم كان يحدث به قومه ، ويخبرهم بما كان ينزل عليه منه . فلفظ الحديث هنا بمعنى المحدث به لا بمعنى كونه مقابلا للقديم . ولفظ « كتابا » بدل من قوله * ( أَحْسَنَ الْحَدِيثِ ) * . وقوله : * ( مُتَشابِهاً مَثانِيَ ) * صفتان للكتاب . ووصف بهما وهو مفرد وكلمة « مثاني » جمع ، باعتبار اشتماله على الكثير من السور والآيات والقصص والمواعظ والأحكام . . أي : اللَّه - تعالى - أنزل أحسن الحديث كتابا مشتملا على السور والآيات والمواعظ . . التي يشبه بعضها في الإعجاز . . . والتي تثنى وتكرر فلا تمل على كثرة التكرار . ورحم اللَّه صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسيره لهذه الآية فقال ما ملخصه : « وإيقاع اسم اللَّه مبتدأ ، وبناء » نزل « عليه ، فيه تفخيم لأحسن الحديث ورفع منه ، واستشهاد على حسنه ، وتأكيد لاستناده إلى اللَّه ، وأنه من عنده ، وأن مثله لا يجوز أن يصدر إلا عنه ، وتنبيه على أنه وحى معجز مباين لسائر الأحاديث . فإن قلت : كيف وصف الواحد بالجمع ؟ قلت : إنما صح ذلك لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل ، وتفاصيل الشيء هي جملته لا غير ، ألا تراك تقول : القرآن سور وآيات . . . كما تقول الإنسان عظام وعروق ، فإن قلت : ما فائدة التثنية والتكرير ؟ قلت : النفوس أنفر شيء عن حديث الوعظ والنصيحة ، فما لم يكرر عليها عودا عن بدء لم يرسخ فيها ، ولم يعمل عمله ، ومن ثم كانت عادة رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يكرر عليهم ما كان يعظ به وينصح ثلاث مرات ، ليركزه في قلوبهم ، كي يغرسه في صدورهم . . . « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 123 .