سيد محمد طنطاوي
210
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - : * ( لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ . . . ) * بيان لحسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة من حقت عليهم كلمة العذاب . . والغرف جمع غرفة ، وتطلق على الحجرة التي تكون مرتفعة عن الأرض . أي : هذا حال الذين حقت عليهم كلمة العذاب ، أما حال الذين اتقوا ربهم فيختلف اختلافا تاما عن غيرهم ، فإن اللَّه - تعالى - قد أعد لهم - على سبيل التكريم والتشريف - غرفا من فوقها غرف أخرى مبنية . . ووصفت بذلك للإشارة إلى أنها معدة ومهيأة لنزولهم فيها ، قبل أن يقدموا عليها ، زيادة في تكريمهم وحسن لقائهم . وهذه الغرف جميعها « تجرى من تحتها الأنهار » ليكون ذلك أدعى إلى زيادة سرورهم . وقوله - تعالى - * ( وَعْدَ اللَّه لا يُخْلِفُ اللَّه الْمِيعادَ ) * تذييل مؤكد لمضمون ما قبله من كون المتقين لهم تلك الغرف المبنية . ولفظ « وعد » مصدر منصوب بفعل مقدر . أي : وعدهم - تعالى - بذلك وعدا لا يخلفه ، لأنه - سبحانه - ليس من شأنه أن يخلف الموعد الذي يعده لعباده . وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية بعض الأحاديث ، منها ما رواه الإمام أحمد عن أبي مالك الأشعري ، قال : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم « إن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها ، أعدها اللَّه لمن أطعم الطعام ، وألان الكلام ، وتابع الصيام ، وصلَّى والناس نيام » « 1 » . وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد بشرت المتقين بأحسن البشارات وأكرمها ، وتوعدت المصرين على كفرهم وفجورهم باستحالة إنقاذهم من عذاب النار . ثم ضرب - سبحانه - مثلا لسرعة زوال الحياة الدنيا ، وقرب اضمحلال بهجتها . كما بين حال من شرح اللَّه صدره للإسلام فقال - تعالى - : .
--> ( 1 ) راجع تفسير ابن كثير ج 7 ص 81 .