سيد محمد طنطاوي
207
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الجمل في حاشيته : « فإن قلت : الظلة ما فوق الإنسان فكيف سمى ما تحته بالظلة ؟ . قلت : فيه وجوه : الأول : أنه من باب إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر . الثاني : أن الذي تحته من النار يكون ظلة لآخر تحته في النار لأنها دركات . الثالث : أن الظلة التحتانية إذا كانت مشابهة الفوقانية في الإيذاء والحرارة ، سميت باسمها لأجل المماثلة والمشابهة « « 1 » . واسم الإشارة في قوله : * ( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّه بِه عِبادَه . . . ) * يعود إلى العذاب الشديد الذي أعده - سبحانه - لأولئك المشركين . أي : ذلك العذاب الشديد يخوف اللَّه - تعالى - به عباده ، حتى يحذروا ما يوصل إليه ، ويجتنبوا كل قول أو فعل من شأنه أن يفضى إلى النار . وقوله - تعالى - : * ( يا عِبادِ فَاتَّقُونِ ) * نداء منه - تعالى - للناس يدل على رحمته بهم ، وفضله عليهم ، أي : عليكم يا عبادي أن تلتزموا طاعتي ، وتجتنبوا معصيتي ، لكي تنالوا رضائي وجنتي ، وتبتعدوا عن سخطي وناري . وإلى هنا نرى هذه الآيات الكريمة قد بشرت الصابرين بالعطاء الذي لا يعلم مقدار فضله إلا اللَّه - تعالى - ، وأمرت بإخلاص العبادة للَّه - سبحانه - بأساليب متنوعة ، وحذرت المشركين من سوء المصير إذا ما استمروا في شركهم وكفرهم . وبعد أن بين - سبحانه - ما أعده للخاسرين من عذاب أليم ، أتبع ذلك ببيان ما أعده للمتقين من نعيم مقيم ، فقال - تعالى - : [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 17 إلى 20 ] والَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وأَنابُوا إِلَى اللَّه لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَه أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّه وأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الأَلْبابِ ( 18 ) أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْه كَلِمَةُ الْعَذابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( 19 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ وَعْدَ اللَّه لا يُخْلِفُ اللَّه الْمِيعادَ ( 20 )
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 594 .