سيد محمد طنطاوي

199

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وإحسانه في مراحل حياتهم ، وإيجاد الأنعام التي تنفعهم في شؤونهم المختلفة . ثم بين - سبحانه - أنه غنى عن خلقه ، وأنهم هم الفقراء إليه فقال : * ( إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّه غَنِيٌّ عَنْكُمْ ، ولا يَرْضى لِعِبادِه الْكُفْرَ ، وإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَه لَكُمْ ) * . أي : إن تكفروا - أيها الناس - بعد أن سقنا لكم من الأدلة ما سقنا على صحة الإيمان وفساد الكفر ، فإن اللَّه - تعالى - غنى عنكم وعن إيمانكم وعبادتكم وعن الخلق أجمعين . ومع ذلك فإنه - سبحانه - لرحمته بكم ، لا يرضى لعباده الكفر ، أي : لا يحبه منهم ولا يحمده لهم ، ولا يجازى الكافر المجازاة التي يجازى بها المؤمن فإن المؤمن له جنات النعيم ، أما الكافر فله نار الجحيم . وإن تشكروا اللَّه على نعمه - أيها الناس - بأن تخلصوا له العبادة والطاعة وتستعملوا نعمه فيما خلقت له ، يرض لكم هذا الشكر ، ويكافئكم عليه مكافأة جزيلة . بأن يزيدكم من نعمه وإحسانه وخيره . * ( ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * أي : ولا تحمل نفس يوم القيامة حمل أخرى ، وإنما كل نفس تجازى على حسب أعمالها في الدنيا . * ( ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ ) * يوم القيامة * ( فَيُنَبِّئُكُمْ ) * أي : فيخبركم * ( بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * في دنياكم ، ويجازى الذين أساؤا بما عملوا ، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . * ( إِنَّه ) * - سبحانه - * ( عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ ) * أي : عليم بما تخفيه الصدور من أسرار ، وبما تضمره القلوب من أقوال وأفعال . . . لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء . قال الجمل في حاشيته : قوله : * ( ولا يَرْضى لِعِبادِه الْكُفْرَ ) * معنى عدم الرضا به ، لا يفعل فعل الراضي ، بأن يأذن فيه ويقر عليه ، ويثيب فاعله ويمدحه ، بل يفعل فعل الساخط بأن ينهى عنه ، ويذم عليه ، ويعاقب مرتكبه وإن كان بإرادته ، إذ لا يخرج شيء عنها . أو المعنى : ولا يرضى لعباده المؤمنين الكفر ، وهم الذين قال اللَّه - تعالى - في شأنهم : إِنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ فيكون الكلام عاما في اللفظ خاصا في المعنى ، كقوله - تعالى - : عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّه أي بعض العباد « 1 » .

--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 591 .