سيد محمد طنطاوي

181

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والمراد بالبشر : آدم - عليه السلام - مأخوذ من مباشرته للأرض ، أو من كونه ظاهر البشرة ، أي الجلد والهيئة . أي : لم يكن لي من علم بالملإ الأعلى وقت اختصامهم ، حين قال اللَّه - تعالى - للملائكة ومعهم إبليس : * ( إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ) * هو آدم - عليه السلام - . فإذا صورته على صورة البشر ، وأفضت عليه ما به الحياة من الروح التي هي من أمرى - ولا علم لأحد بها سواي ، فاسجدوا له سجود تحية وتكريم . ولا تعارض بين وصف آدم هنا بأنه خلق من طين ، وبين وصفه في آيات أخرى بأنه خلق من تراب ، أو من صلصال من حمأ مسنون ، فإن المادة التي خلق منها آدم وإن كانت واحدة ، إلا أنها مرت بمراحل متعددة ، وكل آية تتحدث عن مرحلة معينة . وأضاف - سبحانه - الروح إلى ذاته ، للإشعار بأن هذه الروح لا يملكها إلا هو - تعالى - ، وأن مرد كنهها وكيفية هذا النفخ ، مما استأثر - سبحانه - به ، ولا سبيل لأحد إلى معرفته ، كما قال - تعالى - : ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا « 1 » . والفاء في قوله : * ( فَقَعُوا لَه . . . ) * جواب إذا . والمراد بالوقوع : السقوط أي : فأسقطوا وخروا له حالة كونكم ساجدين له بأمري وإذنى ، على سبيل التحية له ، لأن السجود بمعنى العبادة لا يكون لغير اللَّه - تعالى - . ثم بين - سبحانه - ما كان بعد ذلك فقال : * ( فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ . إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وكانَ مِنَ الْكافِرِينَ ) * . أي : امتثل الملائكة لأمر اللَّه - تعالى - فسجدوا جميعا لآدم في وقت واحد ، إلا إبليس فإنه أبى الامتثال لأمر ربه ، واستكبر عن طاعته ، وصار بسبب ذلك من الكافرين الجاحدين لأمر اللَّه - تعالى - . قال صاحب الكشاف : ولفظ « كل » للإحاطة و « أجمعون » : للاجتماع ، فأفادا معا أنهم سجدوا عن آخرهم ، ما بقي منهم ملك إلا سجد ، وأنهم سجدوا جميعا في وقت واحد ، غير متفرقين في أوقات . فإن قلت : كيف ساغ السجود لغير اللَّه ؟ قلت : الذي لا يسوغ هو السجود لغير اللَّه على

--> ( 1 ) سورة الإسراء الآية 85 .