سيد محمد طنطاوي
179
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والمعنى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين : إنما وظيفتي الإنذار والتخويف لكم من عذاب شديد ، إذا بقيتم على كفركم ، وأعرضتم عن دعوتي . واقتصر على الإنذار مع أنه مبشر - أيضا - لأنه المناسب لردهم عن شركهم ، وعن وصفهم له تارة بأنه ساحر ، وأخرى بأنه كاهن . . إلخ . وقوله - سبحانه - : * ( وما مِنْ إِله إِلَّا اللَّه الْواحِدُ الْقَهَّارُ . رَبُّ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ ) * نفى لكل شريك مع اللَّه - تعالى - في ذاته ، أو صفاته ، أو في خلقه لهذا الكون . أي : ليس هناك من إله سوى اللَّه - تعالى - في هذا الكون ، وهو - سبحانه - الواحد الأحد ، القاهر فوق عباده ، الموجد للسموات والأرض وما بينهما ، الغالب لكل شيء ، الكثير المغفرة لمن يشاء من عباده . فأنت ترى أنه - سبحانه - قد وصف ذاته في هاتين الآيتين بخمس صفات تليق بذاته وببيان أن الشرك به - سبحانه - في العبادة أو الطاعة ظلم عظيم وجهل فاضح . ثم أمر - سبحانه - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم أن يبين لهم أن ما جاءهم به من عند ربه أمر عظيم ، لا يليق بعاقل أن يعرض عنه فقال : * ( قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ . أَنْتُمْ عَنْه مُعْرِضُونَ ) * . أي : قل - يا محمد - لهؤلاء المشركين : إن ما جئتكم به من عند ربي من قرآن كريم ، ومن هدايات بها تسعدون في دنياكم وآخرتكم ، هو خبر عظيم ، يجب أن تلقوا إليه أسماعكم ، وأن تهيئوا نفوسكم لقبوله . . ولكنكم قابلتموه بالإعراض والصدود ، لفرط غفلتكم ، وشدة جهالتكم ، وتماديكم في كفركم . فالآية الأولى دعوة هامة لهم لكي يقلعوا عن شركهم ، والآية الثانية توبيخ لهم على عنادهم حيث تركوا ما ينفعهم ، وعكفوا على ما يضرهم . ثم نفى صلَّى اللَّه عليه وسلم عن نفسه أن يكون عنده علم بشيء من أخبار الملأ الأعلى ، إلا عن طريق الوحي فقال - كما حكى القرآن عنه : * ( ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلإِ الأَعْلى إِذْ