سيد محمد طنطاوي
177
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
بلال ؟ أين صهيب ؟ أين عمار ؟ أولئك في الفردوس ، وا عجبا لأبى جهل ! مسكين أسلم ابنه عكرمة ، وابنته جويرية ، وأسلمت أمه ، وأسلم أخوه . وكفر هو . قال : ونورا أضاء الأرض شرقا ومغربا وموضع رجلي منه أسود مظلم « 1 » ثم حكى القرآن ما سأله هؤلاء المشركون لأنفسهم عندما تلفتوا في النار ، فلم يجدوا أحدا من المؤمنين الذين كانوا يصفونهم بأنهم من الأشرار فقال : * ( أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا ، أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصارُ ) * . أي : إنهم بعد أن دخلوا النار أخذوا يدورون بأعينهم فيها فلم يروا المؤمنين الذين كانوا يستهزئون بهم في الدنيا ، فقالوا فيما بينهم : ما بالنا لا نرى الرجال الذين كنا نسخر منهم في الدنيا ، ألم يدخلوا معنا النار ؟ أم دخلوها ولكن أبصارنا لا تراهم وزاغت عنهم ؟ . فهم يتحسرون على أحوالهم البائسة بعد أن وجدوا أنفسهم في النار ، وليس معهم من كانوا يسخرون منهم في الدنيا وهم فقراء المؤمنين . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا ) * قرئ بلفظ الإخبار على أنه صفة لقوله * ( رِجالًا ) * مثل قوله * ( كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الأَشْرارِ ) * . وقرئ بهمزة الاستفهام على أنه إنكار على أنفسهم وتأنيب لها في الاستسخار منهم . وقوله : * ( أَمْ زاغَتْ عَنْهُمُ الأَبْصارُ ) * له وجهان من الاتصال : أحدهما : أن يتصل بقوله : * ( ما لَنا ) * . أي : ما لنا لا نراهم في النار ؟ كأنهم ليسوا فيها ، بل أزاغت عنهم أبصارنا فلا نراهم وهم فيها ؟ قسموا أمرهم بين أن يكونوا من أهل الجنة وبين أن يكونوا من أهل النار إلا أنهم خفى عليهم مكانهم . الوجه الثاني : أن يتصل بقوله : * ( أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا . . . ) * على معنى أي الفعلين فعلنا بهم : الاستسخار منهم ، أم الازدراء بهم والتحقير ، وأن أبصارنا كانت تعلو عنهم وتقتحمهم ، على معنى إنكار الأمرين جميعا على أنفسهم . . . « « 2 » . واسم الإشارة في قوله - تعالى - : * ( إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ) * يعود إلى التخاصم الذي حكى عنهم . وقوله : * ( لَحَقٌّ ) * خبر إن . وقوله : * ( تَخاصُمُ ) * خبر لمبتدأ محذوف ، والجملة بيان لاسم الإشارة ، وفي الإبهام أولا والتبيين ثانيا مزيد تقرير له .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 15 ص 224 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 102 .