سيد محمد طنطاوي
166
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الإمام الرازي : اعلم أن قصة أيوب هي القصة الثالثة من القصص المذكورة في هذه السورة ، واعلم أن داود وسليمان كانا ممن أفاض اللَّه عليه أصناف الآلاء والنعماء ، وأيوب كان ممن خصه اللَّه بأنواع البلاء ، والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار . فكأن اللَّه - تعالى - يقول لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم : اصبر على سفاهة قومك ، فإنه ما كان في الدنيا أكثر نعمة ومالا من داود وسليمان ، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب ، فتأمل في أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنظم لأحد ، وأن العاقل لا بد له من الصبر على المكاره . . « 1 » . وأيوب - عليه السلام - هو ابن أموص بن برزاح ، وينتهى نسبه إلى إسحاق بن إبراهيم - عليهما السلام - وكانت بعثته على الراجح بين موسى ويوسف - عليهما السلام - . وكان صاحب أموال كثيرة ، وله أولاد . . فابتلى في ماله وولده وجسده ، وصبر على كل ذلك صبرا جميلا ، فكافأه اللَّه - تعالى - على صبره ، بأن أجاب دعاءه ، وآتاه أهله ومثلهم معهم . . وقوله - سبحانه - : * ( واذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ . . . ) * معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك : واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ . . . و « النّصب » - بضم فسكون - وقرأ حفص ونافع - بضم النون والصاد : - التعب والمشقة مأخوذ من قولهم أنصبنى الأمر ، إذا شق عليه وأتعبه . والعذاب : الآلام الشديدة التي يحس بها الإنسان في بدنه . أي : واذكر - أيها الرسول الكريم - حال أخيك أيوب - عليه السلام - حين دعا ربه - تعالى - فقال : يا رب أنت تعلم أنى مسني الشيطان بالهموم الشديدة ، وبالآلام المبرحة التي حلت بجسدي فجعلتني في نهاية التعب والمرض . وجمع - سبحانه - في بيان ما أصابه بين لفظي النصب والعذاب ، للإشارة إلى أنه قد أصيب بنوعين من المكروه : الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التي كانت بين يديه ، وهو
--> ( 1 ) تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 198 .