سيد محمد طنطاوي
153
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ومن قال إنهم كانوا ملائكة معرضين بأمر النساء . فقد كذب على اللَّه - تعالى - ما لم يقل ، وزاد في القرآن ما ليس فيه . . لأن اللَّه - تعالى - يقول : * ( وهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ ) * فقال هو : لم يكونوا خصمين . ولا بغى بعضهم على بعض . ولا كان لأحدهما تسع وتسعون نعجة . ولا كان للآخر نعجة واحدة ولا قال له : * ( أَكْفِلْنِيها . . . ) * « 1 » . 4 - هذا : وهناك أقوال أخرى ذكرها المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآيات . منها : أن استغفار داود - عليه السلام - إنما كان سببه أنه قضى لأحد الخصمين قبل أن يسمع حجة الآخر . قال الإمام الرازي ما ملخصه : لم لا يجوز أن يقال إن تلك الزلة التي جعلت داود يستغفر ربه - إنما حصلت لأنه قضى لأحد الخصمين ، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر ، فإنه لما قال له : « لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه . . » فحكم عليه بكونه ظالما بمجرد دعوى الخصم بغير بينة لكون هذا الخصم مخالفا للصواب ، فعند هذا اشتغل داود بالاستغفار والتوبة ، إلا أن هذا من باب ترك الأولى والأفضل « 2 » . والذي نراه أن هذا القول بعيد عن الصواب ، ولا يتناسب مع منزلة داود - عليه السلام - الذي آتاه اللَّه الحكمة وفصل الخطاب ، وذلك لأن من أصول القضاء وأولياته ، أن لا يحكم القاضي بين الخصمين أو الخصوم إلا بعد سماع حججهم جميعا ، فكيف يقال بعد ذلك أن داود قضى لأحد الخصمين قبل أن يستمع إلى كلام الآخر . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : كيف سارع داود إلى تصديق أحد الخصمين ، حتى ظلم الآخر قبل استماع كلامه ؟ . قلت : ما قال داود ذلك إلا بعد اعتراف صاحبه ، ولكنه لم يحك في القرآن لأنه معلوم . ويروى أنه قال : أريد أخذها منه وأكمل نعاجى مائة فقال داود : إن رمت ذلك ضربنا منك هذا وهذا . وأشار إلى طرف الأنف والجبهة . . « 3 » . ومنهم من يرى ، أن استغفار داود - عليه السلام - كان سببه : أن قوما من الأعداء أرادوا قتله ، فتسوروا عليه المحراب ، فلما دخلوا عليه لقصد قتله وجدوا عنده أقواما . فلم يستطيعوا تنفيذ ما قصدوه ، وتصنعوا هذه الخصومة فعلم داود قصدهم ، وعزم على الانتقام
--> ( 1 ) راجع تفسير القاسمي ج 14 ص 5089 . ( 2 ) راجع تفسير الفخر الرازي ج 7 ص 182 . ( 3 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 87 .