سيد محمد طنطاوي

143

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

نفسه لاستقبال هذه الأقوال الباطلة بصبر وسعة صدر حتى يحكم اللَّه - تعالى - بحكمه العادل ، بينه وبينهم . وقوله - تعالى - : * ( واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّه أَوَّابٌ ) * معطوف على جملة « اصبر » . . وداود - عليه السلام - : هو ابن يسى من سبط « يهوذا » بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم وكانت ولادة داود في حوالي القرن الحادي عشر قبل الميلاد . وقد منحه اللَّه - تعالى - النبوة والملك . وقوله - تعالى - : * ( ذَا الأَيْدِ ) * صفة لداود ، والأيد : القوة . يقال : آد الرجل يئيد أيدا وإيادا ، إذا قوى واشتد عوده ، فهو أيّد . ومنه قولهم في الدعاء : أيدك اللَّه . أي : قواك و * ( أَوَّابٌ ) * صيغة مبالغة من آب إذا رجع . أي : اصبر - أيها الرسول الكريم - على أذى قومك حتى يحكم اللَّه بينك وبينهم واذكر - لتزداد ثباتا وثقة - قصة وحال عبدنا داود ، صاحب القوة الشديدة في عبادتنا وطاعتنا وفي دحر أعدائنا . . * ( إِنَّه أَوَّابٌ ) * أي : كثير الرجوع إلى ما يرضينا . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله ونعمه على عبده داود - عليه السلام - فقال : * ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه ، يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإِشْراقِ . . . ) * . والعشى : الوقت الذي يكون من الزوال إلى الغروب أو إلى الصباح . والإشراق : وقت إشراق الشمس ، أي : سطوعها وصفاء ضوئها ، قالوا : وهو وقت الضحى . . فالإشراق غير الشروق ، لأن الشروق هو وقت طلوع الشمس . وهو يسبق الإشراق أي : إن من مظاهر فضلنا على عبدنا داود ، أننا سخرنا وذللنا الجبال معه ، بأن جعلناها بقدرتنا تقتدى به فتسبح بتسبيحه في أوقات العشى والإشراق . وقال - سبحانه - * ( مَعَه ) * للإشعار بأن تسبيحها كان سبيل الاقتداء به في ذلك . أي : أنها إذا سمعته يسبح اللَّه - تعالى - ويقدسه وينزهه ، رددت معه ما يقوله . وهذا التسبيح من الجبال للَّه - تعالى - إنما هو على سبيل الحقيقة ولكن بكيفية لا يعلمها إلا هو - عز وجل - بدليل قوله - سبحانه - : تُسَبِّحُ لَه السَّماواتُ السَّبْعُ والأَرْضُ ومَنْ فِيهِنَّ ، وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِه ولكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ، إِنَّه كانَ حَلِيماً غَفُوراً « 1 » .

--> ( 1 ) سورة الإسراء الآية 44 .