سيد محمد طنطاوي
141
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ونسب - سبحانه - القول إليهم جميعا مع أن القائل هو النضر بن الحارث ، أو أبو جهل . . لأنهم قد رضوا بهذا القول ، ولم يعترضوا على قائله . وقيل المراد بقوله - تعالى - : * ( عَجِّلْ لَنا قِطَّنا . . ) * أي : صحائف أعمالنا لننظر فيها قبل يوم الحساب . وقيل المراد به : نصيبهم من الجنة أي : عجل لنا نصيبنا من الجنة التي وعد رسولك بها أتباعه ، وأعطنا هذا النصيب في الدنيا قبل يوم الحساب لأننا لا نؤمن بوقوعه . وعلى جميع الأقوال ، فالمراد بيان أنهم قوم قد بلغ بهم التطاول والغرور منتهاه ، حيث استهزؤا بيوم الحساب ، وطلبوا تعجيل نزول العذاب بهم في الدنيا ، بعد أن سمعوا من الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم أن عقوبتهم مؤجلة إلى الآخرة . . قال - تعالى - : وما كانَ اللَّه لِيُعَذِّبَهُمْ وأَنْتَ فِيهِمْ ، وما كانَ اللَّه مُعَذِّبَهُمْ وهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ « 1 » . وقال - سبحانه - : ويَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ ولَنْ يُخْلِفَ اللَّه وَعْدَه ، وإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ « 2 » . ثم واصلت السورة الكريمة تسليتها للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم حيث أمرته بالصبر ، وذكرت له - بشيء من التفصيل - قصص بعض الأنبياء - عليهم السلام - وبدأت بقصة داود - عليه السلام - الذي آتاه اللَّه الملك والنبوة قال - تعالى - : [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 17 إلى 26 ] اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ واذْكُرْ عَبْدَنا داوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّه أَوَّابٌ ( 17 ) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإِشْراقِ ( 18 ) والطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَه أَوَّابٌ ( 19 ) وشَدَدْنا مُلْكَه وآتَيْناه الْحِكْمَةَ وفَصْلَ الْخِطابِ ( 20 ) وهَلْ أَتاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ ( 21 ) إِذْ دَخَلُوا عَلى داوُدَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قالُوا لا تَخَفْ خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِّ ولا تُشْطِطْ واهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ ( 22 ) إِنَّ هذا أَخِي لَه تِسْعٌ وتِسْعُونَ نَعْجَةً ولِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وعَزَّنِي فِي الْخِطابِ ( 23 ) قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِه وإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وقَلِيلٌ ما هُمْ وظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاه فَاسْتَغْفَرَ رَبَّه وخَرَّ راكِعاً وأَنابَ ( 24 ) فَغَفَرْنا لَه ذلِكَ وإِنَّ لَه عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ ( 25 ) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ ولا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّه لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ ( 26 )
--> ( 1 ) سورة الأنفال الآية 23 . ( 2 ) سورة الحج الآية 47 .