سيد محمد طنطاوي
13
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فإن قلت : أي حاجة إليه خبرا كان أو صلة ، وقد علم أن المرسلين لا يكونون إلا على صراط مستقيم ؟ قلت : ليس الغرض بذكره ما ذهبت إليه من تمييز من أرسل على صراط مستقيم عن غيره ممن ليس على صفته . وإنما الغرض وصفه ، ووصف ما جاء به من الشريعة ، فجمع بين الوصفين في نظام واحد ، كأنه قال : إنك لمن المرسلين الثابتين على طريق ثابت ، وأيضا فإن التنكير فيه دل على أنه أرسل من بين الصراط المستقيمة ، على صراط مستقيم لا يكتنه وصفه - أي : في التضخيم والتعظيم - « 1 » . ثم مدح - سبحانه - كتابه بمدائح أخرى فقال : * ( تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ ) * وقد قرأ بعض القراء السبعة : * ( تَنْزِيلَ ) * بالنصب على المدح ، أو على المصدرية لفعل محذوف . أي : نزل اللَّه - تعالى - القرآن تنزيل العزيز الرحيم . وقرأ البعض الآخر : * ( تَنْزِيلَ ) * بالرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . أي : هذا القرآن هو تنزيل العزيز - الذي لا يغلبه غالب - ، الرحيم أي الواسع الرحمة بعباده . ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه صلَّى اللَّه عليه وسلم فقال : * ( لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ ) * . واللام في قوله : * ( لِتُنْذِرَ ) * متعلقة بفعل مضمر يدل عليه قوله : * ( إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ ) * . والإنذار : إخبار معه تخويف في مدة تتسع للتحفظ من الخوف . فإن لم تتسع له فهو إعلام وإشعار لا إنذار . وأكثر ما يستعمل في القرآن في التخويف من عذاب اللَّه - تعالى - . والمراد بالقوم : كفار مكة الذين بعث النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم لإنذارهم ، وهذا لا يمنع أن رسالته عامة إلى الناس جميعا ، كما قال - تعالى - : قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّه إِلَيْكُمْ جَمِيعاً . . . و * ( ما ) * نافية . والمراد بآبائهم : آباؤهم الأقربون ، لأن آباءهم الأبعدون قد أرسل اللَّه - تعالى - إليهم إسماعيل - عليه السلام - . أي : أرسلناك - يا محمد - بهذه الرسالة من لدنا ، لتنذر قوما ، وهم قريش المعاصرون لك ، لم يسبق لهم أو لآبائهم أن جاءهم نذير منا يحذرهم من سوء عاقبة الإشراك باللَّه - تعالى - فهم لذلك غافلون عما يجب عليهم نحو خالقهم من إخلاص العبادة له ، وطاعته في السر والعلن .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 4 .