سيد محمد طنطاوي
136
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
* ( الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ ) * . أي : أنهم لم يملكوا خزائن رحمة ربك - أيها الرسول الكريم - حتى يعطوا منها من يشاؤن ويمنعوها عمن يشاؤن ، ويتخيروا للنبوة صناديدهم ويترفعوا بها عنك . . وإنما المالك لكل ذلك هو اللَّه - تعالى - العزيز الذي لا يغلبه غالب - الوهاب ، أي : الكثير العطاء لعباده . والمراد بالعندية في قوله * ( عِنْدَهُمْ ) * : الملك والتصرف . وتقديم الظرف « عند » لأنه محل الإنكار . وفي إضافة الرب - عز وجل - إلى الضمير العائد إلى النبي صلَّى اللَّه عليه وسلم تشريف وتكريم له صلَّى اللَّه عليه وسلم وجئ بصفة « العزيز » للرد على ما كانوا يزعمونه لأنفسهم وآلهتهم من ترفع وتكبر . كما جيء بصفة « الوهاب » للإشارة إلى أن النبوة هبة من اللَّه - تعالى - لمن يختاره من عباده ، وهو - سبحانه - أعلم حيث يجعل رسالته . وقوله - عز وجل - : * ( أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّماواتِ والأَرْضِ وما بَيْنَهُما . . . ) * تأكيد لما أفادته الآية السابقة من عدم ملكيتهم لشيء من خزائن اللَّه - تعالى - . أي : أن هؤلاء الكافرين ليست عندهم خزائن ربك - أيها الرسول الكريم - وليسوا بمالكين شيئا - أي شيء - من هذه العوالم العلوية أو السفلية ، وإنما هم خلق صغير من خلقنا العظيم الكبير . وقوله - سبحانه - : * ( فَلْيَرْتَقُوا فِي الأَسْبابِ ) * تعجيز لهم ، وتهكم بهم ، واستخفاف بأقوالهم ومزاعمهم ، والأسباب : جمع سبب وهو كل ما يتوصل به إلى غيره من حبل أو نحوه . والفاء جواب لشرط محذوف . والتقدير : إن كان عندهم خزائن رحمتنا ، ولهم شيء من ملك السماوات والأرض وما بينهما ، فليصعدوا في الطرق التي توصلهم إلى ما نملكه حتى يستولوا عليه ، ويدبروا أمره ، وينزلوا الوحي على من يختارونه للنبوة من أشرافهم وصناديدهم . فالجملة الكريمة قد اشتملت على نهاية التعجيز لهم ، والتهكم بهم وبأقوالهم ، حيث بين - سبحانه - أنهم أدعياء فيما يزعمون ، وأنهم يهرفون بما لا يعرفون . . ثم بشر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم بالنصر عليهم فقال : * ( جُنْدٌ ما هُنالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الأَحْزابِ ) * . ولفظ « جند » خبر لمبتدأ محذوف . و « ما » مزيدة للتقليل والتحقير ، نحو قولك : أكلت شيئا ما . أي : شيئا قليلا ، وقيل : هي للتكثير والتهويل كقولهم : لأمر ما جدع قصير أنفه .