سيد محمد طنطاوي
120
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الكافرين ، ولم يفارق الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم هذه الدنيا إلا بعد أن صارت كلمة اللَّه هي العليا ، وكلمة الذين كفروا هي السفلى . ثم أمر اللَّه - تعالى - رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلم بالإعراض عن المشركين ، وبالصبر على أذاهم ، فقال : * ( فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ ) * أي : فأعرض عنهم إلى الوقت الذي يأذن اللَّه لك فيه بقتالهم * ( وأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) * أي : وانظر إليهم وراقبهم عندما ينزل بهم عذابنا ، فسوف يبصرون هم ذلك في دنياهم وفي آخرتهم . والأمر بمشاهدة ذلك : إشعار بأن نصره صلَّى اللَّه عليه وسلم عليهم ، آت لا ريب فيه حتى لكأنه واقع بين يديه ، مشاهد أمامه . والاستفهام في قوله - سبحانه - : * ( أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ ) * للتوبيخ والتأنيب . أي أبلغ الجهل وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين ، أنهم يستعجلون عذابنا . عن ابن عباس - رضى اللَّه عنهما - أن المشركين قالوا للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلم : يا محمد أرنا العذاب الذي تخوفنا به ، فنزلت هذه الآية . ثم بين - سبحانه - حالهم عندما ينزل بهم هذا العذاب الذي استعجلوا نزوله فقال * ( فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ فَساءَ صَباحُ الْمُنْذَرِينَ ) * . والساحة في الأصل تطلق على الفناء الواسع للدار والمراد بها هنا القوم الذين يكونون فيها والمخصوص بالذم محذوف . أي : فإذا نزل العذاب بهؤلاء المشركين . فبئس الصباح صباحهم . ولن ينفعهم حينئذ ندم أو توبة ، وخص الصباح بالذكر ، لأن العذاب كان يأتيهم فيه في الغالب . أخرج الشيخان عن أنس ، رضى اللَّه عنه . قال : صبح رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلم خيبر ، فلما خرجوا بفئوسهم ومساحيهم ورأوا الجيش ، رجعوا يقولون : محمد واللَّه ، محمد والخميس - أي : والجيش فقال صلَّى اللَّه عليه وسلم : « اللَّه أكبر خربت خيبر ، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين » . ثم كرر - سبحانه - تهديده ووعيده لهم على سبيل التأكيد لعلهم يعتبرون فقال : * ( وتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ . وأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ ) * أي : وأعرض عنهم حتى حين ، وأبصر ما توعدناهم به من عذاب أليم ، فسوف يبصرون هم ذلك . * ( سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ) * أي . تنزه وتقدس ربك - أيها الرسول الكريم - عما وصفه به الواصفون الجاهلون من صفات لا تليق بذاته .