سيد محمد طنطاوي

101

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله : * ( قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ ، سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّه مِنَ الصَّابِرِينَ ) * حكاية لما رد به إسماعيل على أبيه إبراهيم - عليهما السلام - وهو رد يدل على علو كعبه في الثبات ، وفي احتمال البلاء ، وفي الاستسلام لقضاء اللَّه وقدره . أي : قال الابن لأبيه : يا أبت افعل ما تؤمر به من قبل اللَّه - تعالى - ولا تتردد في ذلك وستجدني إن شاء اللَّه من الصابرين على قضائه . وفي هذا الرد ما فيه من سمو الأدب ، حيث قدم مشيئة اللَّه - تعالى - ، ونسب الفضل إليه ، واستعان به - سبحانه - في أن يجعله من الصابرين على البلاء . وهكذا الأنبياء - عليهم السلام - يلهمهم اللَّه - تعالى - في جميع مراحل حياتهم ما يجعلهم في أعلى درجات السمو النفسي ، واليقين القلبي ، والكمال الخلقي . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما كان من الابن وأبيه فقال : * ( فَلَمَّا أَسْلَما وتَلَّه لِلْجَبِينِ ) * وأسلما : بمعنى استسلما وانقادا لأمر اللَّه ، فالفعل لازم ، أو بمعنى : سلَّم الذبيح نفسه وسلم الأب ابنه ، فيكون متعديا والمفعول محذوف . وقوله * ( وتَلَّه ) * أي : صرعه وأسقطه ، وأصل التل : الرمي على التّل وهو الرمل الكثيف المرتفع ، ثم عمم في كل رمى ودفع ، يقال : تل فلان فلانا إذا صرعه وألقاه على الأرض . والجبين : أحد جانبي الجبهة ، وللوجه جبينان ، والجبهة بينهما . أي : فلما استسلم الأب والابن لأمر اللَّه - تعالى - وصرع الأب ابنه على شقه ، وجعل جبينه على الأرض ، واستعد الأب لذبح ابنه . . كان ما كان منا من رحمة بهما . ومن إكرام لهما ، ومن إعلاء لقدرهما . قال صاحب الكشاف : فإن قلت : أين جواب لما ؟ قلت : هو محذوف تقديره : فلما أسلما وتله للجبين « وناديناه أن يا إبراهيم . قد صدقت الرؤيا » كان ما كان مما تنطق به الحال ، ولا يحيط به الوصف من استبشارهما واغتباطهما ، وحمدهما للَّه ، وشكرهما على ما أنعم به عليهما من دفع البلاء العظيم بعد حلوله ، وما اكتسبا في تضاعيفه من الثواب ، ورضوان اللَّه الذي ليس وراءه مطلوب . . « 1 » . وقد ذكروا هنا آثارا منها أن إسماعيل - عليه السلام - لما هم أبوه بذبحه قال له : يا أبت اشدد رباطى حتى لا أضطرب ، واكفف عنى ثيابك حتى لا يتناثر عليها شيء من دمى فتراه أمي فتحزن ، وأسرع مرّ السكين على حلقي ليكون أهون للموت على ، فإذا أتيت أمي فاقرأ

--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 4 ص 55 .