سيد محمد طنطاوي

92

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

قال ابن كثير ما ملخصه : قال ابن عباس وغيره : المراد بالبر هاهنا ، الفيافي . وبالبحر : الأمصار والقرى ، ما كان منها على جانب نهر . وقال آخرون : بل المراد بالبر هو البر المعروف . وبالبحر : البحر المعروف . والقول الأول أظهر ، وعليه الأكثر ، ويؤيده ما ذكره ابن إسحاق في السيرة : أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم صالح ملك أيلة ، وكتب له ببحره - يعنى ببلده - « 1 » . والمعنى : ظهر الفساد في البر والبحر ، ومن مظاهر ذلك انتشار الشرك والظلم ، والقتل وسفك الدماء ، والأحقاد والعدوان ، ونقص البركة في الزروع والثمار والمطاعم والمشارب ، وغير ذلك مما هو مفسدة وليس بمنفعة . . قال ابن كثير - رحمه اللَّه - : وقال أبو العالية : من عصى اللَّه في الأرض فقد أفسد فيها ، لأن صلاح الأرض والسماء بالطاعة ، ولهذا جاء في الحديث الذي رواه أبو داود : « الحد يقام في الأرض ، أحب إلى أهلها من أن يمطروا أربعين صباحا » . والسبب في هذا أن الحدود إذا أقيمت ، انكف الناس ، أو أكثرهم ، أو كثير منهم ، عن تعاطى المحرمات . وإذا ارتكبت المعاصي كان سببا في محق البركات . . وكلما أقيم العدل كثرت البركات والخيرات . وقد ثبت في الحديث الصحيح : « إن الفاجر إذا مات تستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب » « 2 » . وقوله - تعالى - : * ( بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ . . ) * بيان لسبب ظهور الفساد . أي : عم الفساد وطم في البر والبحر ، بسبب اقتراف الناس للمعاصي . وانهماكهم في الشهوات ، وتفلتهم من كل ما أمرهم اللَّه - تعالى - به ، أو نهاهم عنه . كما قال - تعالى - : وما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ويَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ . فظهور الفساد وانتشاره ، لا يتم عبثا أو اعتباطا ، وإنما يتم بسبب إعراض الناس عن طاعة اللَّه - تعالى - ، وارتكابهم للمعاصي . . . ثم بين - سبحانه - ما ترتب على الوقوع في المعاصي من بلاء واختبار ، فقال : * ( لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ) * . واللام في « ليذيقهم » للتعليل وهي متعلقة بظهر . أي : ظهر الفساد . . . ليذيق - سبحانه - الناس نتائج بعض أعمالهم السيئة ، كي يرجعوا عن غيهم وفسقهم ، ويعودوا إلى الطاعة والتوبة .

--> ( 1 و 2 ) تفسير ابن كثير ج 6 ص 326 .