سيد محمد طنطاوي
89
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
والخطاب في قوله - تعالى - : * ( فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه . . ) * للنبي صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ولكل من يصلح له من أمته . والفاء : لترتيب ما بعدها على ما قبلها . والمعنى : إذا كان الأمر كما ذكرت لكم ، من أن بسط الأرزاق وقبضها بيدي وحدي ، فأعط - أيها الرسول الكريم - ذا القربى حقه من المودة والصلة والإحسان ، وليقتد بك في ذلك أصحابك وأتباعك . وأعط - أيضا - * ( الْمِسْكِينَ ) * الذي لا يملك شيئا ذا قيمة ، حقه من الصدقة والبر ، وكذلك * ( ابْنَ السَّبِيلِ ) * وهو المسافر المنقطع عن ماله في سفره ، ولو كان غنيا في بلده . وقدم - سبحانه - الأقارب ، لأن دفع حاجتهم واجب من الواجبات التي جعلها - سبحانه - للقريب على قريبه . قال القرطبي : واختلف في هذه الآية ، فقيل : إنها منسوخة بآية المواريث . وقيل : لا نسخ ، بل للقريب حق لازم في البر على كل حال ، وهو الصحيح ، قال مجاهد وقتادة : صلة الرحم فرض من اللَّه - عز وجل - ، حتى قال مجاهد : لا تقبل صدقة من أحد ورحمه محتاجة « 1 » . وقال الجمل في حاشيته : وعدم ذكر بقية الأصناف المستحقين للزكاة ، يدل على أن ذلك في صدقة التطوع ، وقد احتج أبو حنيفة - رحمه اللَّه - بهذه الآية على وجوب نفقة المحارم ، والشافعي - رحمه اللَّه - قاس سائر الأقارب - ما عدا الفروع والأصول - على ابن العم ، لأنه لا ولادة بينهم . ثم قال : وهؤلاء الثلاثة يجب الإحسان إليهم وإن لم يكن للإنسان مال زائد ، لأن المقصود هنا : الشفقة العامة ، والفقير داخل في المسكين . . » « 2 » . ثم بين - سبحانه - الآثار الطيبة المترتبة على هذا البر والعطاء فقال : * ( ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْه اللَّه ، وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ) * .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 35 . ( 2 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 294 .