سيد محمد طنطاوي

85

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الحقيقة ، بسبب استحواذ الشيطان عليهم ، واتباعهم للأهواء الزائفة ، والتقاليد الفاسدة . ثم حرضهم - سبحانه - على الاستمرار في اتباع توجيهات هذا الدين القيم فقال : * ( مُنِيبِينَ إِلَيْه واتَّقُوه وأَقِيمُوا الصَّلاةَ ) * . قال القرطبي : وفي أصل الإنابة قولان : أحدهما : أنه القطع . ومنه أخذ اسم الناب لأنه قاطع ، فكأن الإنابة هي الانقطاع إلى اللَّه - عز وجل - بالطاعة . والثاني : أن أصله الرجوع ، مأخوذ من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد أخرى ، ومنه النوبة لأنها الرجوع إلى عادة ، ولفظ * ( مُنِيبِينَ ) * منصوب على الحال « 1 » . والمعنى : أقيموا وجوهكم - أيها الناس - لخالقكم وحده ، حالة كونكم راجعين إليه بالتوبة والطاعة ، ومقبلين إليه بالاستغفار والعبادة ، ومتقين له في كل أحوالكم ، ومداومين على إقامة الصلاة في أوقاتها بخشوع واطمئنان . * ( ولا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * المبدلين لفطرة اللَّه - تعالى - المتبعين لأهوائهم وشهواتهم . وقوله * ( مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وكانُوا شِيَعاً ) * بدل مما قبله . أي : ولا تكونوا من المشركين ، الذين اختلفوا في شأن دينهم اختلافات شتى على حسب أهوائهم ، وصاروا شيعا وفرقا وأحزابا متنازعة . * ( كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) * أي : كل حزب منهم صار مسرورا بما لديه من دين باطل ، وملة فاسدة ، وعقيدة زائفة ، وهذا الفرح بالباطل سببه جهلهم ، وانطماس بصائرهم عن الانقياد للحق . ثم بين - سبحانه - أحوال الناس في السراء والضراء وعند ما يوسع اللَّه - تعالى - في أرزاقهم ، وعند ما يضيق عليهم هذه الأرزاق ، فقال - تعالى - : [ سورة الروم ( 30 ) : الآيات 33 إلى 37 ] وإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْه ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْه رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ ( 33 ) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 34 ) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِه يُشْرِكُونَ ( 35 ) وإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ ( 36 ) أَولَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّه يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ ويَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ( 37 )

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 31 .