سيد محمد طنطاوي
83
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
لأن جميع العبادات البدنية ، لا تصح إلا بتصحيح هذه المسألة في القلب فافهم ذلك « 1 » . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن هؤلاء المشركين لم ينتفعوا بهذه الأمثال لاستيلاء الجهل والعناد عليهم فقال : * ( بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ . . ) * . أي : لم ينتفع هؤلاء الظالمون بهذا المثل الجلى في إبطال الشرك ، بل لجوا في كفرهم ، واتبعوا أهواءهم الزائفة ، وأفكارهم الفاسدة ، وجهالاتهم المطبقة دون أن يصرفهم عن ذلك علم نافع * ( فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّه ) * أي : إذا كان هذا هو حالهم ، فمن الذي يستطيع أن يهدى إلى الحق ، من أضله اللَّه - تعالى - : عنه بسبب زيفه واستحبابه العمى على الهدى . إنه لا أحد يستطيع ذلك * ( وما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ) * ينصرونهم من عقابه - سبحانه - لهم . ثم أمر سبحانه رسوله صلَّى اللَّه عليه وسلَّم أن يثبت على الحق الذي هداه - عز وجل - إليه فقال : * ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً . . ) * والفاء هي الفصيحة ، وقوله : * ( فَأَقِمْ ) * من الإقامة على الشيء والثبات عليه ، وعدم التحول عنه . قوله : * ( حَنِيفاً ) * من الحنف ، وهو الميل من الباطل إلى الحق ، وضده الجنف ، و * ( حَنِيفاً ) * حال من فاعل * ( فَأَقِمْ ) * . أي : إذا كان الأمر كما ذكرت لك - أيها الرسول الكريم - من بطلان الشرك فاثبت على ما أنت عليه من إخلاص العبادة للَّه - تعالى - وحده ، وأقبل على هذا الدين الذي أوحاه اللَّه إليك ، بدون التفات عنه ، أو ميل إلى سواه . قال صاحب الكشاف : قوله : * ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً ) * أي : فقوم وجهك له وعدّله ، غير ملتفت عنه يمينا أو شمالا ، وهو تمثيل لإقباله على الدين واستقامته عليه وثباته ، واهتمامه بأسبابه ، فإن من اهتم بالشيء عقد عليه طرفه ، وسدد إليه نظره ، وقوم له وجهه ، مقبلا به عليه . والمراد بالفطرة في قوله - تعالى - : * ( فِطْرَتَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ ) * الملة . أي : ملة الإسلام والتوحيد . أو المراد بها : قابلية الدين الحق ، والتهيؤ النفسي لإدراكه . والأصل فيها أنها بمعنى الخلقة .
--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 23 .