سيد محمد طنطاوي
76
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
مواضع ، من كونه نطفة ، ثم علقة ، ثم مضغة ، ثم عظما مكسوا لحما . « 1 » . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان آية ثانية ، دالة على كمال قدرته ورأفته بعباده ، فقال : * ( ومِنْ آياتِه أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) * أي : ومن آياته الدالة على رحمته بكم ، أنه - سبحانه - خلق لكم * ( مِنْ أَنْفُسِكُمْ ) * أي : من جنسكم في البشرية والإنسانية أزواجا . قال الآلوسي : قوله : * ( مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْواجاً ) * فإن خلق أصل أزواجكم حواء من ضلع آدم - عليه السلام - متضمن لخلقهن من أنفسكم « فمن » للتبعيض والأنفس بمعناها الحقيقي ، ويجوز أن تكون « من » ابتدائية ، والأنفس مجاز عن الجنس ، أي : خلق لكم من جنسكم لا من جنس آخر ، قيل : وهو الأوفق لما بعد « 2 » . وقوله - سبحانه - : * ( لِتَسْكُنُوا إِلَيْها ) * بيان لعلة خلقهم على هذه الطريقة . أي : خلق لكم من جنسكم أزواجا ، لتسكنوا إليها ، ويميل بعضكم إلى بعض ، فإن الجنس إلى الجنس أميل ، والنوع إلى النوع أكثر ائتلافا وانسجاما * ( وجَعَلَ ) * - سبحانه - * ( بَيْنَكُمْ ) * يا معشر الأزواج والزوجات * ( مَوَدَّةً ورَحْمَةً ) * أي : محبة ورأفة ، لم تكن بينكم قبل ذلك ، وإنما حدثت عن طريق الزواج الذي شرعه - سبحانه - بين الرجال والنساء ، والذي وصفه - تعالى - بهذا الوصف الدقيق ، في قوله - عز وجل - : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ . * ( إِنَّ فِي ذلِكَ ) * الذي ذكرناه لكم قبل ذلك * ( لآياتٍ ) * عظيمة تهدى إلى الرشد وإلى الاعتبار * ( لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * في مظاهر قدرة اللَّه - تعالى - ورحمته بخلقه . ثم ذكر - سبحانه - آية ثالثة فقال : * ( ومِنْ آياتِه خَلْقُ السَّماواتِ والأَرْضِ ) * أي : ومن آياته الدالة على قدرته التامة على كل شيء ، خلقه للسموات والأرض بتلك الصورة البديعة * ( واخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ ) * أي : واختلاف لغاتكم فهذا يتكلم بالعربية ، وآخر بالفارسية وثالث بالرومية . . إلى غير ذلك مما لا يعلم عدده من اللغات ، بل إن الأمة الواحدة تجد فيها عشرات اللغات التي يتكلم بها أفرادها ، ومئات اللهجات * ( وأَلْوانِكُمْ ) * أي : ومن آياته كذلك ، اختلاف ألوانكم ، فهذا أبيض ، وهذا أسود ، وهذا أصفر ، وهذا أشقر . . مع أن الجميع من أب واحد وأم واحدة وهما آدم وحواء . بل إنك لا تجد شخصين يتطابقان تطابقا تاما في خلقتهما وشكلهما .
--> ( 1 ) تفسير فتح القدير ج 4 ص 219 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 21 ص 30 .