سيد محمد طنطاوي
70
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقال - سبحانه - : * ( وإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ . . ) * للإشعار بان هناك عددا قليلا من الناس - بالنسبة لهؤلاء الكثيرين - قد آمنوا بلقاء ربهم ، واستعدوا لهذا اللقاء عن طريق العمل الصالح الذي يرضى خالقهم - عز وجل - . ثم قرعهم - سبحانه - للمرة الثانية على عدم اتعاظهم بأحوال السابقين من الأمم قبلهم ، فقال - تعالى - : * ( أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ . . ) * . أي : أقعد مشركو مكة في ديارهم ، ولم يسيروا في الأرض سير المتأملين المتفكرين المعتبرين فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ، من الأمم الماضية ، كقوم عاد وثمود ، وقوم لوط . وقوله - سبحانه - : * ( كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) * بيان لحال هؤلاء الأقوام السابقين * ( وأَثارُوا الأَرْضَ ) * أي : كان أولئك السابقون أقوى من أهل مكة في كل مجال من مجالات القوة ، وكانوا أقدر منهم على حراثة الأرض ، وتهيئتها للزراعة ، واستخراج خيراتها من باطنها . * ( وعَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها ) * أي : حرثوا الأرض وشقوا عن باطنها ، وعمروها عمارة أكثر من عمارة أهل مكة لها ، لأن أولئك الأقوام السابقين كانوا أقوى من كفار مكة ، وكانوا أكثر دراية بعمارة الأرض . وهؤلاء الأقوام السابقون : * ( جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ ) * أي : بالمعجزات الواضحات ، وبالحجج الساطعات ، ولكن هؤلاء الأقوام كذبوا رسلهم ، فأهلكهم اللَّه - تعالى - * ( فَما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ) * أي : فما كان اللَّه - تعالى - من شأنه أن يعذبهم بدون ذنب . * ( ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ) * حيث ارتكبوا من الكفر والمعاصي ما كان سببا في هلاكهم . ثم بين - سبحانه - المصير السيئ ، الذي حل بهؤلاء الكافرين فقال : * ( ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى ) * . ولفظ « عاقبة » قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي - بفتح التاء - على أنه خبر « كان » قدم على اسمها ، وهو لفظ « السوأى » الذي هو تأنيث الأسوأ ، كالحسنى تأنيث الأحسن . وجرد الفعل « كان » من التاء مع أن السوأى مؤنث ، لأن التأنيث غير حقيقي . فيكون المعنى : ثم كانت العقوبة السيئة وهي العذاب في جهنم ، عاقبة الذين عملوا في دنياهم الأعمال السيئات .