سيد محمد طنطاوي

6

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

5 - ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك ، إلى الحديث عن قصص بعض الأنبياء مع أقوامهم ، فأشارت إلى قصة نوح مع قومه ، ثم ذكرت بشيء من التفصيل جانبا من قصة إبراهيم مع قومه ، ومن قصة لوط مع قومه ، وأتبعت ذلك بإشارات مركزة تتعلق بقصة شعيب وهود وصالح وموسى مع أقوامهم . . . ثم اختتمت هذه القصص ببيان العاقبة السيئة التي صار إليها المكذبون لرسلهم ، فقال - تعالى - : فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِه ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْه حاصِباً ، ومِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْه الصَّيْحَةُ ، ومِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِه الأَرْضَ ، ومِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا ، وما كانَ اللَّه لِيَظْلِمَهُمْ ، ولكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ . 6 - ثم ضربت السورة الكريمة مثلا لحال الذين أشركوا مع اللَّه - تعالى - آلهة أخرى في العبادة ، فشبهت ما هم عليه من كفر وشرك - في ضعفه وهوانه وهلهلته - ببيت العنكبوت ، وأمرت النبي صلى اللَّه عليه وسلم وأصحابه ، أن يزدادوا ثباتا على ثباتهم ، وأن يستعينوا على ذلك ، بتلاوة القرآن الكريم ، وبإقامة الصلاة ، وبالإكثار من ذكر اللَّه - تعالى - . قال - سبحانه - : اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وأَقِمِ الصَّلاةَ ، إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ والْمُنْكَرِ ، ولَذِكْرُ اللَّه أَكْبَرُ ، واللَّه يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ . 7 - ثم أمرت السورة الكريمة المؤمنين بأن يجادلوا أهل الكتاب بالتي هي أحسن ، إلا الذين ظلموا منهم ، وأرشدتهم إلى ما يقولونه لهم ، ومدحت من يستحق المدح منهم ، وذمت من يستحق الذم ، وأقامت الأدلة الساطعة على أن هذا القرآن من عند اللَّه - تعالى - . قال - سبحانه - : وكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ ، فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِه ، ومِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِه ، وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ وما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِه مِنْ كِتابٍ ، ولا تَخُطُّه بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ، وما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ . 8 - ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين ، حضهم فيه على الهجرة من أرض الكفر إلى دار الإيمان ، ورغبهم في ذلك بوسائل ، منها : إخبارهم بأن الآجال بيد اللَّه - تعالى - وحده ، وكذلك الأرزاق بيده وحده ، وأن من استجاب لما أمره اللَّه - تعالى - به ، أعطاه - سبحانه - الكثير من خيره وفضله . قال - تعالى - يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ، ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ .