سيد محمد طنطاوي

62

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فِطْرَتَ اللَّه الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها ، لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّه ، ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، ولكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . مُنِيبِينَ إِلَيْه واتَّقُوه وأَقِيمُوا الصَّلاةَ ولا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . 6 - ثم بين - سبحانه - أحوال الناس في السراء والضراء ، ودعاهم إلى التعاطف والتراحم ، ونفرهم من تعاطى الربا ، فقال - تعالى - : فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّه والْمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ، ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْه اللَّه ، وأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّه ، وما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْه اللَّه فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ . 7 - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه على عباده ، وبين الآثار السيئة التي تترتب على جحود هذه النعم ، ودعا الناس للمرة الثانية إلى اتباع الدين القيم ، الذي لا يقبل اللَّه - تعالى - دينا سواه ، فقال - تعالى - : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَه مِنَ اللَّه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ . مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْه كُفْرُه ، ومَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ . 8 - ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن نعمة اللَّه في الرياح وفي إرسال الرسل ، وأمر كل عاقل أن يتأمل في آثار هذه النعم ، ليزداد إيمانا على إيمانه ، فقال - تعالى - فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّه كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ، إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى ، وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . 9 - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان أهوال الساعة ، وحكى أقوال أهل العلم والإيمان ، في ردهم على المجرمين عندما يقسمون أنهم ما لبثوا في هذه الدنيا سوى ساعة واحدة ، وأمر - سبحانه - نبيه صلى اللَّه عليه وسلم أن يصبر على أذى أعدائه ، فقال - تعالى - : فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ ، ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ . 10 - وهكذا نجد أن سورة « الروم » قد أفاضت في الحديث عن الأدلة المتعددة ، التي تشهد بوحدانية اللَّه - تعالى - وقدرته ، كما تشهد بأن هذا القرآن من عند اللَّه ، وبأن يوم القيامة حق وصدق ، كما ساقت آيات متعددة في المقارنة بين مصير الأخيار ، ومصير الأشرار ، ودعت الناس إلى الثبات على الدين الحق ، وهو دين الإسلام ، كما حضت على التعاطف والتراحم بين المسلمين ، ونهت عن تعاطى الربا ، لأنه لا يربو عند اللَّه - تعالى - ، وإنما الذي يعطى من صدقات هو الذي يربو عند اللَّه - عز وجل - كما ذكرت أنواعا من النعم التي أنعم اللَّه - تعالى - بها على عباده ، وأمرتهم بشكره - سبحانه - عليها ، لكي يزيدهم من فضله .