سيد محمد طنطاوي

53

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

أي : والذين آمنوا وعملوا الأعمال الصالحات ، لننزلنهم من الجنة غرفا عالية فخمة . هذه الغرف من صفاتها أنها * ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ) * زيادة في إكرام أصحابها ، وفضلا عن ذلك فقد جعلناهم * ( خالِدِينَ فِيها ) * خلودا أبديا . والمخصوص بالمدح في قوله : * ( نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ ) * محذوف . أي : نعم أجر العاملين ، أجر هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات . وقوله : * ( الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ) * صفة لهؤلاء العاملين . أي : من مناقبهم الجليلة أنهم يصبرون على طاعة اللَّه ، وعلى كل ما يحسن معه الصبر ، وأنهم يفوضون أمورهم إلى خالقهم لا إلى غيره . ثم رغبهم - سبحانه - في الهجرة لإعلاء كلمة اللَّه بأسلوب ثالث ، حيث بين لهم أن هجرتهم لن تضيع شيئا من رزقهم الذي كتبه اللَّه لهم ، فقال - سبحانه - : * ( وكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا ، اللَّه يَرْزُقُها وإِيَّاكُمْ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ) * . روى أن بعض الذين أسلموا بمكة عندما أمرهم النبي صلى اللَّه عليه وسلم بالهجرة إلى المدينة قالوا : كيف نهاجر إلى بلدة ليس لنا فيها معيشة ، فنزلت هذه الآية . وكلمة « كأين » : مركبة من كاف التشبيه وأي الاستفهامية المنونة ، ثم هجر معنى جزأيها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير . ويكنى بها عن عدد مبهم فتفتقر إلى تمييز بعدها . وهي مبتدأ . و « من دابة » تمييز لها . وجملة : « لا تحمل رزقها » صفة لها ، وجملة « اللَّه يرزقها » هي الخبر . والدابة : اسم لكل نفس تدب على وجه الأرض سواء أكانت من العقلاء أم من غير العقلاء . أي : وكثير من الدواب التي خلقها اللَّه - تعالى - بقدرته ، لا تستطيع تحصيل رزقها ، ولا تعرف كيف توفره لنفسها ، لضعفها أو عجزها . . . ومع هذا فاللَّه - تعالى - برحمته وفضله يرزقها ولا يتركها تموت جوعا ، ويرزقكم أنتم - أيضا ، لأنه لا يوجد مخلوق - مهما اجتهد ودأب يستطيع أن يخلق رزقه . * ( وهُوَ ) * - سبحانه - * ( السَّمِيعُ ) * لكل شيء * ( الْعَلِيمُ ) * بما تسرون وما تعلنون . وقدم - سبحانه - رزق الدابة التي لا تستطيع تحصيله ، على رزقهم فقال : * ( اللَّه يَرْزُقُها وإِيَّاكُمْ ) * لينفى من قلوب الناس القلق على الرزق ، وليشعرهم بأن الأسباب ليست هي كل شيء ، فإن واهب الأسباب ، لا يترك أحدا بدون رزق ، ولإزالة ما قد يخطر في النفوس من أن الهجرة من أجل إعلاء كلمة اللَّه قد تنقص الرزق . .