سيد محمد طنطاوي
38
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله - تعالى - : * ( مُسْتَبْصِرِينَ ) * من الاستبصار ، بمعنى التمكن من تعقل الأمور ، وإدراك خيرها من شرها ، وحقها من باطلها . ثم أشار - سبحانه - إلى ما حل بقارون وفرعون وهامان فقال : * ( وقارُونَ وفِرْعَوْنَ وهامانَ ) * أي : وأهلكنا - أيضا - قارون ، وهو الذي كان من قوم موسى فبغى عليهم ، كما أهلكنا فرعون الذي قال لقومه : أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلى وهامان الذي كان وزيرا لفرعون وعونا له في الكفر والظلم والطغيان . قال الآلوسي : وتقديم قارون ، لأن المقصود تسلية النبي صلى اللَّه عليه وسلم فيما لقى من قومه لحسدهم له ، وقارون كان من قوم موسى - عليه السلام - وقد لقى منه ما لقى . أو لأن حال قارون أوفق بحال عاد وثمود ، فإنه كان من أبصر الناس وأعلمهم بالتوراة ، ولكنه لم يفده الاستبصار شيئا ، كما لم يفدهم كونهم مستبصرين شيئا . . « 1 » . ثم بين - سبحانه - ما جاءهم به موسى - عليه السلام - وموقفهم منه فقال : * ( ولَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ ) * أي : جاءهم جميعا بالمعجزات الواضحات الدالة على صدقه . * ( فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ ) * أي : فاستكبر قارون وفرعون وهامان في الأرض . وأبوا أن يؤمنوا بموسى ، بل وصفوه بالسحر وبما هو برئ منه . * ( وما كانُوا سابِقِينَ ) * أي : وما كانوا بسبب استكبارهم وغرورهم هذا ، هاربين أو ناجين من قضائنا فيهم ، ومن إهلاكنا لهم . فقوله : * ( سابِقِينَ ) * من السبق ، بمعنى التقدم على الغير . يقال فلان سبق طالبه ، إذا تقدم عليه دون أن يستطيع هذا الطالب إدراكه . والمراد أن قارون وفرعون وهامان ، لم يستطيعوا - رغم قوتهم وغنائهم - أن يفلتوا من عقابنا ، بل أدركهم عذابنا إدراكا تاما فأبادهم وقضى عليهم . ثم ختم - سبحانه - الحديث عن هؤلاء المكذبين ، ببيان سنة من سننه التي لا تتخلف ، فقال : * ( فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِه ) * . أي : فكلا من هؤلاء المذكورين كقوم نوح وإبراهيم ولوط وشعيب وهود وصالح ، وكقارون وفرعون وهامان وأمثالهم : كلا من هؤلاء الظالمين أخذناه وأهلكناه بسبب ذنوبه التي أصر عليها دون أن يرجع عنها .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 20 ص 158 .