سيد محمد طنطاوي

36

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله - سبحانه - : * ( وإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً . . ) * معطوف على مقدر محذوف ، لدلالة ما قبله عليه . ومدين : اسم للقبيلة التي تنسب إلى مدين بن إبراهيم - عليه السلام - . وكانوا يسكنون في المنطقة التي تسمى معان بين حدود الحجاز والشام . وقد أرسل اللَّه - تعالى - إليهم شعيبا - عليه السلام - ليأمرهم بعبادة اللَّه - تعالى - وحده ، ولينهاهم عن الرذائل التي كانت منتشرة فيهم ، والتي من أبرزها التطفيف في المكيال والميزان . والمعنى : وكما أرسلنا نوحا إلى قومه ، وإبراهيم إلى قومه ، أرسلنا إلى أهل مدين ، رسولنا شعيبا - عليه السلام - . * ( فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّه ) * أي : فقال لهم ناصحا ومرشدا ، الكلمة التي قالها كل نبي لأمته : يا قوم اعبدوا اللَّه - تعالى - وحده ، واتركوا ما أنتم عليه من شرك . وقال لهم - أيضا : وارجوا النجاة من أهوال يوم القيامة ، بأن تستعدوا له بالإيمان والعمل الصالح ، ولا تعثوا في الأرض مفسدين ، فإن الإفساد في الأرض ليس من شأن العقلاء ، وإنما هو من شأن الجهلاء الجاحدين لنعم اللَّه - تعالى - . يقال : عثى فلان في الأرض يعثو ويعثى - كقال وتعب - ، إذا ارتكب أشد أنواع الفساد فيها . فأنت ترى أن شعيبا - عليه السلام - وهو خطيب الأنبياء - كما جاء في الحديث الشريف ، قد أمر قومه بإخلاص العبادة للَّه ، وبالعمل الصالح الذي ينفعهم في أخراهم ، ونهاهم عن الإفساد في الأرض ، فماذا كان موقفهم منه ؟ كان موقفهم منه : التكذيب والإعراض ، كما قال - سبحانه - : * ( فَكَذَّبُوه ) * أي : فيما أمرهم به ، وفيما نهاهم عنه . * ( فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ) * أي : فأهلكهم اللَّه - تعالى - بسبب تكذيبهم لنبيهم بالرجفة ، وهي الزلزلة الشديدة . يقال : رجفت الأرض ، إذا اضطربت اضطرابا شديدا .