سيد محمد طنطاوي
359
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
أي : هذه سنتنا وطريقتنا في الماكرين والمكذبين لرسلهم ، أننا نمهلهم ولا نهملهم ، ونجعل العاقبة السيئة لهم . ولن تجد لسنة اللَّه - تعالى - في خلقه تبديلا بأن يضع غيرها مكانها ، ولن تجد لها تحويلا عما سارت عليه وجرت به . قال الجمل ما ملخصه : قوله : * ( فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ ) * مصدر مضاف لمفعوله تارة كما هنا ، ولفاعله أخرى كقوله * ( فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّه تَبْدِيلًا ) * لأنه - تعالى - سنها بهم ، فصحت إضافتها للفاعل وللمفعول . والفاء في قوله * ( فَلَنْ تَجِدَ ) * لتعليل ما يفيده الحكم بانتظارهم العذاب . ونفى وجدان التبديل والتحويل ، عبارة عن نفى وجودهما بالطريق البرهاني ، وتخصيص كل منهما بنفي مستقل لتأكيد انتفائهما . والمراد : بعدم التبديل . أن العذاب لا يبدل بغيره . وبعدم التحويل : أنه لا يحول عن مستحقه إلى غيره . وجمع بينهما هنا : تعميما لتهديد المسئ لقبح مكره « 1 » . ثم ساق لهم - سبحانه - ما يؤكد عدم تغيير سنته في خلقه ، بأن حضهم على الاعتبار بأحوال المهلكين من قبلهم ، والذين يرون بأعينهم آثارهم ، فقال - تعالى - : * ( أَولَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ ، فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وكانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً ) * . أي أعمى هؤلاء الماكرون عن التدبر ، ولم يسيروا في الأرض ، فيروا بأعينهم في رحلاتهم إلى الشام أو إلى اليمن أو إلى غيرهما ، كيف كانت عاقبة المكذبين من قبلهم ، لقد دمرناهم تدميرا ، مع أنهم كانوا أشد من مشركي مكة قوة ، وأكثر جمعا * ( وما كانَ اللَّه لِيُعْجِزَه مِنْ شَيْءٍ فِي السَّماواتِ ولا فِي الأَرْضِ ) * أي وما كان من شأن اللَّه - تعالى - أن يعجزه شيء من الأشياء ، سواء أكان في السماوات أم في الأرض . بل كل شيء تحت أمره وتصرفه . * ( إِنَّه ) * - سبحانه - * ( كانَ عَلِيماً ) * بكل شيء * ( قَدِيراً ) * على كل شيء . ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان جانب من رحمته بعباده فقال * ( ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّه النَّاسَ بِما كَسَبُوا ) * من الذنوب أو الخطايا . * ( ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها ) * أي : على ظهر الأرض * ( مِنْ دَابَّةٍ ) * من الدواب التي تدب عليها . * ( ولكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى ) * وهو يوم القيامة . * ( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ ) * الذي حدده - سبحانه - لحسابهم ، جازاهم بما يستحقون * ( فَإِنَّ اللَّه كانَ بِعِبادِه بَصِيراً ) * أي : لا يخفى عليه شيء من أحوالهم .
--> ( 1 ) حاشية الجمل على الجلالين ج 3 ص 500 .