سيد محمد طنطاوي

344

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

والخطاب للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم ، أو لكل من يتأتى له الخطاب ، بتقرير دليل من أدلة القدرة الباهرة . والمعنى : لقد علمت - أيها العاقل - علما لا يخالطه شك ، أن اللَّه - تعالى - أنزل من السماء ماء كثيرا ، فأخرج بسببه من الأرض ، ثمرات مختلفا ألوانها . فبعضها أحمر ، وبعضها أصفر ، وبعضها أخضر . . وبعضها حلو المذاق ، وبعضها ليس كذلك ، مع أنها جميعا تسقى بماء واحد ، كما قال - تعالى - : وفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ ، وجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وزَرْعٌ ونَخِيلٌ ، صِنْوانٌ وغَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ ، ونُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ . إِنَّ فِي ذلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ « 1 » . وجاء قوله * ( فَأَخْرَجْنا . . ) * على أسلوب الالتفات من الغيبة إلى التكلم ، لإظهار كمال الاعتناء بالفعل لما فيه من الصنع البديع المنبئ عن كمال القدرة والحكمة ، ولأن المنة بالإخراج أبلغ من إنزال الماء . وقوله * ( مُخْتَلِفاً ) * صفة لثمرات ، وقوله * ( أَلْوانُها ) * فاعل به . وقوله - تعالى - : * ( ومِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وغَرابِيبُ سُودٌ ) * معطوف على ما قبله ، لبيان مظهر آخر من مظاهر قدرته - عز وجل - . قال القرطبي ما ملخصه : « الجدد جمع جدّة - بضم الجيم - وهي الطرائق المختلفة الألوان » . . والجدّة : الخطة التي في ظهر الحمار تخالف لونه . والجدة : الطريقة والجمع جدد . . أي : طرائق تخالف لون الجبل ، ومنه قولهم : ركب فلان جدّة من الأمر ، إذا رأى فيه رأيا » « 2 » . وغرابيب : جمع غربيب ، وهو الشيء الشديد السواد ، والعرب تقول للشيء الشديد السواد ، أسود غربيب . وقوله : * ( سُودٌ ) * بدل من * ( غَرابِيبُ ) * . أي : أنزلنا من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ، وجعلنا بقدرتنا من الجبال قطعا ذات ألوان مختلفة ، فمنها الأبيض ، ومنها الأحمر ، ومنها ما هو شديد السواد ، ومنها ما ليس كذلك ، مما يدل على عظيم قدرتنا . وبديع صنعنا . .

--> ( 1 ) سورة الرعد الآية 4 . ( 2 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 342 .