سيد محمد طنطاوي
340
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فإن قلت : إلام أسند كان في قوله * ( ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ) * ؟ قلت : إلى المدعو المفهوم من قوله : * ( وإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ ) * . فإن قلت : فلم ترك ذكر المدعو ؟ قلت : « ليعم ويشمل كل مدعو . . » « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وأَقامُوا الصَّلاةَ ) * . كلام مستأنف مسوق لبيان من هم أهل للاتعاظ والاستجابة للحق . أي : أنت - أيها الرسول الكريم - إنما ينفع وعظك وإنذارك . أولئك العقلاء الذين يخشون ربهم - عز وجل - دون أن يروه ، أو يروا عذابه ، والذين يؤدون الصلاة في مواقيتها بإخلاص وخشوع واطمئنان . ثم حض - سبحانه - على تزكية النفوس وتطهيرها فقال : * ( ومَنْ تَزَكَّى فَإِنَّما يَتَزَكَّى لِنَفْسِه وإِلَى اللَّه الْمَصِيرُ ) * أي : ومن تطهر من دنس الكفر والفسوق والعصيان . وحصن نفسه بالإيمان ، والعمل الصالح ، والتوبة النصوح ، فإن ثمرة تطهره إنما تعود إلى نفسه وحدها ، وإليها يرجع الأجر والثواب ، واللَّه - تعالى - إليه وحده مصير العباد لا إلى غيره . فالجملة الكريمة دعوة من اللَّه - تعالى - للناس ، إلى تزكية النفوس وتطهيرها من كل سوء ، بعد بيان أن كل نفس مسؤولة وحدها عن نتائج أفعالها ، وأن أحدا لن يلبى طلب غيره في أن يحمل شيئا عنه من أوزاره . ثم ساق - سبحانه - أمثلة ، لبيان الفرق الشاسع بين المؤمن والكافر ، وبين الحق والباطل ، وبين العلم والجهل . . فقال - تعالى - : * ( وما يَسْتَوِي الأَعْمى والْبَصِيرُ . ولَا الظُّلُماتُ ولَا النُّورُ . ولَا الظِّلُّ ولَا الْحَرُورُ . وما يَسْتَوِي الأَحْياءُ ولَا الأَمْواتُ . . ) * . والحرور : هو الريح الحارة التي تلفح الوجوه من شدة حرها ، فهو فعول من الحر . أي : وكما أنه لا يستوي في عرف أي عاقل الأعمى والبصير ، كذلك لا يستوي الكافر والمؤمن ، وكما لا تصلح المساواة بين الظلمات والنور ، كذلك لا تصلح المساواة بين الكفر والإيمان ، وكما لا يتساوى المكان الظليل مع المكان الشديد الحرارة ، كذلك لا يستوي أصحاب الجنة وأصحاب النار . فأنت ترى أن الآيات الكريمة قد مثلت الكافر في عدم اهتدائه بالأعمى ، والمؤمن بالبصير ، كما مثلت الكفر بالظلمات والإيمان بالنور ، والجنة بالظل الظليل ، والنار بالريح الحارة التي تشبه السموم .
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 607 .