سيد محمد طنطاوي
328
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وقوله : * ( فَتُثِيرُ ) * من الإثارة بمعنى التهييج والتحريك من حال إلى حال . أي : واللَّه - تعالى - وحده ، هو الذي أرسل الرياح ، فجعلها بقدرته النافذة تحرك السحب من مكان إلى مكان ، فتذهب بها تارة إلى جهة الشمال ، وتارة إلى جهة الجنوب ، وتارة إلى غير ذلك . وقوله : * ( فَسُقْناه إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ ) * بيان للحكمة من هذه الإثارة . والمراد بالبلد الميت : الأرض الجدباء التي لا نبات فيها . والضمير في * ( فَسُقْناه ) * يعود إلى السحاب . وقوله : * ( فَأَحْيَيْنا بِه الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها ) * أي : فأحيينا بالمطر النازل من السحاب الأرض الجدباء ، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج . فالضمير في قوله * ( بِه ) * يعود إلى المطر ، لأن السحاب يدل عليه لما بينهما من تلازم ، ويصح أن يعود إلى السحاب لأنه سبب نزول الأمطار . وقال - سبحانه - * ( فَتُثِيرُ ) * بصيغة المضارع . استحضارا لتلك الصورة البديعة الدالة على قدرة اللَّه - تعالى - ، والتي من شأنها أن تغرس العظات والعبر في النفوس . وقال - سبحانه - : * ( فَسُقْناه ) * * ( فَأَحْيَيْنا ) * بنون العظمة ، وبالفعل الماضي ، للدلالة على تحقق قدرته ورحمته بعباده . قال صاحب الكشاف ما ملخصه : فإن قلت : لم جاء * ( فَتُثِيرُ ) * على المضارعة دون ما قبله وما بعده ؟ . قلت : ليحكى الحال التي تقع فيها إثارة الرياح للسحاب ، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية ، وهكذا يفعلون بكل فعل فيه نوع تمييز وخصوصية . . ولما كان سوق السحاب إلى البلد الميت ، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها ، من الدلائل على القدرة الباهرة قيل : فسقنا ، وأحيينا ، معدولا بهما عن لفظ الغيبة ، إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدل عليه . . « 1 » . والكاف في قوله - تعالى - : * ( كَذلِكَ النُّشُورُ ) * بمعنى مثل ، وهي في محل رفع على الخبرية . أي : مثل ذلك الإحياء الذي تشاهدونه للأرض بعد نزول المطر عليها ، يكون إحياء الأموات منكم . قال الإمام الرازي : فإن قيل ما وجه التشبيه بقوله : * ( كَذلِكَ النُّشُورُ ) * ؟ فالجواب من وجوه :
--> ( 1 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 601 .