سيد محمد طنطاوي

324

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد في تسليته صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فقال : * ( وإِلَى اللَّه تُرْجَعُ الأُمُورُ ) * . أي : وإلى اللَّه - تعالى - وحده ترجع أمور الناس وأحوالهم وأعمالهم وأقوالهم . وسيجازى - سبحانه - الذين أساؤا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى . ثم وجه - سبحانه - نداء ثانيا إلى الناس . بين لهم فيه أن البعث حق ، وأن من الواجب عليهم أن يستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح فقال - تعالى - * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّه حَقٌّ . . . ) * . أي : إن ما وعدكم اللَّه - تعالى - به من البعث والحساب والثواب والعقاب ، حق لا ريب فيه ، وما دام الأمر كذلك ، * ( فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَياةُ الدُّنْيا ) * أي : فلا تخدعنكم بمتعها ، وشهواتها ، ولذائذها ، فإنها إلى زوال وفناء ، ولا تشغلنكم هذه الحياة الدنيا من أداء ما كلفكم - سبحانه - بأدائه من فرائض وتكاليف . * ( ولا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّه الْغَرُورُ ) * أي : ولا يخدعنكم عن طاعة ربكم ، ومالك أمركم * ( الْغَرُورُ ) * . أي : الشيطان المبالغ في خداعكم ، وفي صرفكم عن كل ما هو خير وبر . فالمراد بالغرور هنا : الشيطان الذي أقسم بالأيمان المغلظة ، بأنه لن يكف عن إغواء بني آدم ، وعن تزيين الشرور والآثام لهم . فالمقصود بالآية الكريمة تذكير الناس بيوم القيامة وما فيه من أهوال . وتحذيرهم من اتباع خطوات الشيطان ، فإنه لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر . ثم أكد - سبحانه - هذا التحذير بقوله : * ( إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ ) * يا بني آدم ، عداوة قديمة وباقية إلى يوم القيامة . وما دام الأمر كذلك * ( فَاتَّخِذُوه عَدُوًّا ) * أي : فاتخذوه أنتم عدوا لكم في عقائدكم . وفي عباداتكم . وفي كل أحوالكم ، بأن تخالفوا وسوسته وهمزاته وخطواته . . وقوله : * ( إِنَّما يَدْعُوا حِزْبَه لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحابِ السَّعِيرِ ) * تقرير وتأكيد لهذه العداوة . أي : اتخذوا - يا بني آدم - الشيطان عدوا لكم ، لأنه لا يدعو أتباعه ومن هم من حزبه إلى خير أبدا ، وإنما يدعوهم إلى العقائد الباطلة . والأقوال الفاسدة ، والأفعال القبيحة التي تجعلهم يوم القيامة من أهل النار الشديدة الاشتعال . . ثم بين - سبحانه - أقسام الناس يوم القيامة فقال : * ( الَّذِينَ كَفَرُوا ) * بكل ما يجب