سيد محمد طنطاوي
320
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
قال الآلوسي ما ملخصه قوله : * ( جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا . . ) * معناه : جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه والصالحين من عباده ، يبلغون إليهم رسالته بالوحي والإلهام والرؤيا الصادقة ، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصنعه ، كالأمطار والرياح وغيرهما . وقوله : * ( مَثْنى وثُلاثَ ورُباعَ ) * معناه : أن من الملائكة من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ، ومنهم من له أربعة ، ولا دلالة في الآية على نفى الزائد ، وما ذكر من عد للدلالة على التكثير والتفاوت ، لا للتعيين ولا لنفى النقصان عن اثنين . . فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود في قوله - تعالى - لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّه الْكُبْرى أن الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم رأى جبريل وله ستمائة جناح . . « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) * استئناف مقرر لمضمون ما قبله ، من كمال قدرته ، ونفاذ إرادته . أي يزيد - سبحانه - في خلق كل ما يزيد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التي لا يحيط بها الوصف ، ومن ذلك أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء ، وكذلك ينقص في الخلق ما يشاء ، والكل جاء على مقتضى الحكمة والتدبير . قال صاحب الكشاف : قوله * ( يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ ) * أي : يزيد في خلق الأجنحة ، وفي غيره ما تقتضيه مشيئته وحكمته . والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق : من طول قامة ، واعتدال صورة ، وتمام الأعضاء ، وقوة في البطش ، وحصافة في العقل ، وجزالة في الرأي ، وجرأة في القلب ، وسماحة في النفس ، وذلاقة في اللسان ، ولباقة في التكلم ، وحسن تأن في مزاولة الأمور ، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف . . « 2 » . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : * ( إِنَّ اللَّه عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * أي : إن اللَّه - تعالى - لا يعجزه شيء يريده ، لأنه قدير على فعل كل شيء ، فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها من كونه - سبحانه - يزيد في الخلق ما يشاء ، وينقص منه ما يشاء . وقوله - تعالى - : * ( ما يَفْتَحِ اللَّه لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها . . . ) * بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته وفضله على عباده .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 22 ص 161 . ( 2 ) تفسير الكشاف ج 3 ص 595 .