سيد محمد طنطاوي
303
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
ويعنون بقولهم « ما هذا إلا رجل » : الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ويقصدون بالإشارة إليه ، الاستخفاف به ، والتحقير من شأنه صلَّى اللَّه عليه وسلم . وقالوا : * ( يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُكُمْ ) * لإثارة حمية الجاهلية فيهم فكأنهم يقولون لهم : احذروا اتباع هذا الرجل ، لأنه يريد أن يجعلكم من أتباعه ، وأن يقطع الروابط التي تربط بينكم وبين آبائكم الذين أنتم قطعة منهم . ولم يكتفوا بالتشكيك في صدق الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم بل أضافوا إلى ذلك التكذيب للقرآن الكريم ، ويحكى - سبحانه - ذلك فيقول : * ( وقالُوا ما هذا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرىً ) * . أي : وقالوا في شأن القرآن الكريم : ما هذا الذي يتلوه محمد صلَّى اللَّه عليه وسلَّم علينا ، إلا * ( إِفْكٌ ) * أي : كلام مصروف عن وجهه ، وكذب في ذاته * ( مُفْتَرىً ) * أي : مختلق على اللَّه - تعالى - من حيث نسبته إليه . فقوله * ( مُفْتَرىً ) * صفة أخرى وصفوا بها القرآن الكريم ، فكأنهم يقولون - قبحهم اللَّه - ما هذا القرآن إلا كذب في نفسه ، ونسبته إلى اللَّه - تعالى - ليست صحيحة . ثم أضافوا إلى تكذيبهم للرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وللقرآن ، تكذيبا عاما لكل ما جاءهم به الرسول من حق ، فقالوا - كما حكى القرآن عنهم - : * ( وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جاءَهُمْ ، إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ) * . أي : وقال الكافرون في شأن كل حق جاءهم به الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلم : ما هذا الذي جئتنا به إلا سحر واضح . وهكذا نراهم - لعنادهم وجهلهم - قد كذبوا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم وكذبوا القرآن . وكذبوا كل توجيه قويم ، وإرشاد حكيم ، أرشدهم إليه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم إذ اسم الإشارة الأول يعود إلى الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم والثاني يعود إلى القرآن ، والثالث يعود إلى تعاليم الإسلام كلها . ثم بين - سبحانه - أن أقوالهم هذه لا تستند إلى دليل أو ما يشبه الدليل ، وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون ، فقال - تعالى - : * ( وما آتَيْناهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَها وما أَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ ) * . أي : أن هؤلاء الذين قالوا ما قالوا من باطل وزور ، لم نأتهم بكتب يدرسونها ويقرؤنها ليعرفوا منها أن الشرك حق ، فيكون لهم عذرهم في التمسك به ، وكذلك لم نرسل إليهم قبلك - أيها الرسول الكريم - نذيرا يدعوهم إلى عبادة الأصنام ، ويخوفهم من ترك عبادتها . وما دام الأمر كذلك ، فمن أين أتوا بهذا التصميم على شركهم ، وبهذا الإنكار للحق الذي